معركة غطاء الرأس (الحجاب) بين المداهنة والمفاصلة

انتباه، فتح في نافذة جديدة. PDFطباعةأرسل إلى صديق

معركة غطاء الرأس (الحجاب) بين المداهنة والمفاصلة

 

 

روت الدكتورة مارنيا أزرق في كتاب "فصاحة الصمت" "خرجت أمس تظاهرة لتأييد استمرار بقاء القوات الأجنبية والاعتراف بفضلها في تطور البلاد، اختلط الرجال بالنساء خلال التظاهرة. وكان هناك رجال من القوات الأجنبية، ومعهم زوجاتهم، وتضامنت الزوجات مع نساء البلد، وهتفن كلهن للحرية والتحرر. وتقدمت النساء الأجنبيات، ونزعن الحجاب من على رؤوس بعض نساء البلد، وسط هتافات الجانبين". كانت هذه مظاهرة في يوم 16 أيار/مايو 1958، في الجزائر. وقد رتب التظاهرة يومها، قائد القوات الفرنسية هناك، بالتعاون مع فرنسيين استوطنوا في الجزائر (خلال استعمار استمر 130 سنة). استحضرت هذه الرواية خلال متابعة الضجة الإعلامية حول ظهور بعض المسلمات بالحجاب (غطاء الرأس) في مواقع ومنابر منافية لفكرة وغرض الحجاب.

 

وضعت مجلة "وومنز رننج" صورة عداءة مسلمة مرتدية غطاء الرأس على غلاف المجلة المتخصصة في اللياقة البدنية لتصبح أول (محجبة) تظهر على غلاف مجلة رياضية في الولايات المتحدة الأمريكية. وسارت عارضات الأزياء على مدرج أسبوع نيويورك للموضة وهن يرتدين غطاء الرأس لتكون المرة الأولى التي يخصص فيها الملتقى عرضا خاصا لأزياء (المحجبات) وتابعت الأنظار حشداً من المختمرات المائلات المميلات على المدرج الشهير. ثم تبع هذا خبر ظهور صحفية أمريكية مسلمة وتغطي رأسها في مقابلة مع مجلة إباحية مشهورة، وأطلّت على غلاف المجلة الإباحية بخمارها مرتدية سترة جلدية وبنطالاً. وعبرت المذيعة المسلمة عن فخرها بالظهور في هذه المجلة بينما صفق لها البعض واعتبروه إنجازا تاريخيا وهنأوها على شجاعتها حيث "وصلت إلى ما لم تصل له مسلمة محجبة من قبل". احتفلوا بكونها فرضت (الحجاب) في وسط إباحي وتحدثت عن العفة في مجلة تعتبر ماركة مسجلة للرذيلة وامتهان المرأة.

 

ويذكرنا هذا الظهور الإعلامي الغريب بالرغبة الجامحة لدى بعض المسلمات في السباحة والجلوس على الشاطئ وترجمة هذه الرغبة لفكرة "البوركيني" واعتبار هذا الزي طوق نجاة للمرأة يمكنها من مزاولة نشاط لطالما حرمت منه! (روجوا له بالرغم من كون الزي بعيداً كل البعد عن الزي الشرعي للمسلمة وتجاهلوا حرمة وجود المسلمة في شواطئ ومسابح تظهر فيها العورات). كما يذكرنا بالتغطية الإعلامية المكثفة للمنافسات الرياضية النسائية (وإن كانت منافية لطبيعة المرأة مثل المصارعة ورفع الأثقال) أو (الحجاب العصري) المتبرج الذي هو أقرب ما يكون إلى "الزي التنكري"... يكون نتاج صراع طويل أمام المرآة بينما يريده الناس ولم يأمر به رب الناس! ترتديه بعض المسلمات لتختفي في زحمة المدن وتنال الرضا عسى أن تلين عقول وقلوب كارهة للإسلام وأهله ويقبل المجتمع بهن. وكلما ازدادت وتيرة الإسلامفوبيا نجد بعض المسلمات يصرخن في كل محفل "ها أنا ذا أشارك" في وجه مجتمع غربي يريد لهن العزلة والتهميش.

 

هذه "الإنجازات" التي تدعيها بعض المسلمات وما يبدينه من رغبة في مجاراة التيار العام في المجتمعات الغربية "The mainstream"، ما هي إلا ردة فعل لتركيز الإعلام الغربي على وضعية المرأة المسلمة وكونها مضطهدة ولا إرادة لها، وهذا الخطاب الإعلامي الذي يتسم بالإسلامفوبيا ليس إلا استمراراً للخطاب الاستعماري الذي ارتكز على نعت زي المرأة المسلمة ومكانتها في المجتمع بالدونية لأهداف سياسية. ولطالما شكلت مسألة مكانة المسلمة في المجتمع (من ضمن جملة من القضايا) مرتَكَزا لادّعاء التفوق الأخلاقي الذي يبرر فعل الاستعمار في مجتمعات غربية تدعي الحرية والليبرالية.

 

ولا شك أن الإسلامفوبيا (رفض الشريعة) هي التي جعلت من حظر البوركيني قضية خلافية ناصرها البعض مثل رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس حين أدرج البوركيني ضمن منظومة "استعباد المرأة" بينما هاجم ساسة آخرون قرار الحظر بحجة أنه حجر على الحرية الشخصية ووصاية على المرأة المسلمة. اختلفوا في حظر البوركيني ووقفوا صفا واحداً كتحرريين ونسويات ويمينيين ويساريين أمام حظر اللباس الشرعي في فرنسا وغيرها، وهب طابور الليبراليين في بلادنا يدافعون عن البوركيني من باب حماية الحرية الشخصية وليس من باب الدفاع عن الإسلام وأهله. ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.

 

ومن عجائب الأمور أن يرد البعض على مزاعم الإعلام الغربي والمستشرقين من قبله بأن اللباس الشرعي يعزل المسلمات عن المجتمع عبر تغيير مظهر اللباس والاختلاط بالرجال ونبذ قيم الحياء والعفة بدلاً من توظيف هذا الرفض للباس الشرعي كحجة دامغة تكشف عوار هذه المجتمعات التي تتشدق بالحرية والليبرالية تعزل المسلمة الملتزمة باللباس الشرعي (والمنقبة عزلتها أعظم)... يدّعون حماية الحريات فإذا بهم يترجمون الحرية الشخصية لحرية العري، وحرية التعبير للحق في الإهانة والتطاول على مقدسات المسلمين وحرية الملكية للحرية في السرقة ونهب أموال كل مستضعف.

 

ولماذا تظن المسلمة أن المجتمع المضيف سيتقبلها إذا ما تنصلت من الزي الشرعي الكامل وأضافت المساحيق على وجهها وواكبت إملاءات أرباب دور الأزياء في وقت ترى فيه تلك المجتمعات ترفض السود بينهم وتهمشهم وتهدر كرامتهم وأرواحهم وهم على دينهم ونمط حياتهم؟! ألم يروا الاحتقان في مدينة "شارلوت" بعد مقتل رجل أسود وتحول المدينة لثكنة عسكرية؟ ألم يتابعوا حملة "حياة السود مهمة" وصرخة المرأة السوداء في أمريكا أنها لن تنعم بالسلام وحياة أولادها مهددة؟!

 

نلاحظ أن أقصى طموح هذه الفئة المغيبة أن يقبل المجتمع الغربي بالزي الإسلامي وبعض شعائر الإسلام. ولكن هيهات فهم يسعون لهذا التواجد مع صعود اليمين المتطرف وتبني التيار السياسي العام في البلاد الغربية للخطاب العنصري ومعاداة المهاجرين بشكل عام والمسلمين على وجه الخصوص. إنهم يسعون لمداهنة مجتمع يعاني من أزمة وصراع حقيقي مع جاليات مسلمة ترفض الانصهار وتصر على الالتزام بمفاهيم الإسلام والزي الشرعي كأصل أصيل غير قابل للانفصال. ستخرج بين فينة وأخرى من تدعي أنها اخترقت الحدود ووصلت لما لم تصل إليه مسلمة من قبل ولكنها لن تنال الرضا والقبول حتى تتبع ملتهم!

 

إن محاولات عصرنة الزي الشرعي للمسلمة باطل زهوق يراد به باطل، وهو أبعد ما يكون عن التميز وأقرب ما يكون للتبعية وترسخ هيمنة الثقافة الغربية كثقافة "غالبة"، إنها مبادرة تهدف إلى تذويب المسلمين في المجتمعات الغربية بدلا من مواجهة زيف الحضارة الغربية التي ادعت أنها تستوعب كل الثقافات وتحترم دولة القانون. هذا اللباس العصري والظهور الإعلامي للباس المنسوب زوراً للزي الشرعي والتبرج الصارخ لن يدحض التنميط الغربي للمرأة المسلمة بل على العكس سيركز الصورة التي رسمها المستشرق للمرأة الشرقية التي لم ير في المسلمة سوى جسد وسلعة وكل ما هو بذيء ومنحط.

 

إن مجرد وجود المسلمة في التيار العام وظهور غطاء الرأس على شاشات التلفاز وفي نشرات الأخبار وأغلفة المجلات ليس بإنجاز أو معيار للنجاح، ومن يتخذ هذه الأعمال كإنجاز فهو يقيس الأمور بمقياس دنيوي بحت ويختصر فكره في واقع قابل للتغيير ويسعى لوصول أفراد لا أن يصل الإسلام، يريد بأعماله زخرف الحياة الدنيا ويبيع الآخرة بدنيا فانية ذليلة. ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾.

 

بات السعي للانصهار والقبول أفيون بعض المسلمين، تغيبهم لذة اللحظات القليلة والمكتسبات الضئيلة عن حقيقة الواقع ويسعون للانصهار وبأي تكلفة في مجتمعات قامت على الاستعمار في الخارج والتمييز في الداخل. إن مثل هذه المبادرات التي يروج لها تعمل على دعم مشروع محاربة الشريعة وستزيد من غربة وعزلة المسلمة الملتزمة بأحكام الشرع في المجتمعات الليبرالية. المرأة المسلمة لم ترتد الزي الشرعي من باب الحرية الشخصية أو اتباع أهواء البشر بل التزاما وتقيداً بالحكم الشرعي، وهذا الحكم الشرعي ثابت لا يتغير بتغير الزمان والمكان. وحيثما وجدت المسلمة بزيها الشرعي وعبوديتها لخالق الكون والإنسان والحياة ستمثل غصة في حلوق أعداء الشريعة يعضون أصابعهم من الغيظ وهم يرون ثبات المسلمة وعفتها وطهارتها.

 

لا بد من مناهضة هذا المد السام الذي يعمل بين المسلمات لتليين أحكام الإسلام وتطويعها لقيم المجتمعات الليبرالية الاستعمارية التي أهدرت كرامة المرأة وأذلتها. ولا بد من لفظ هذا التيار الذي يسعى للوجود والظهور بأي ثمن ويسعى لأن يكون أفراده قدوة لبنات المسلمين في الشرق وفي الغرب بينما يعاني مشاهيره من مرض نفسي مستعصٍ وهوس بالقبول ونيل رضا الناس. يسعون للقبول بينما يتعمق في الأمة في أصقاع الأرض الشعور بالغربة ويغيب عنهم مدلولات حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء».

نسأل الله أن نكون وإياكم من الغرباء ممن لهم طوبى وحسن مآب... ونسأله عز وجل أن لا تطول غربتنا وغربة إسلامنا العظيم وأن نكون ممن بشرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفعة والسنا والدين والنصر والتمكين في الأرض. وما ذلك على الله بعزيز.

 

﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

هدى محمد (أم يحيى)

http://www.hizb-ut-tahrir.info/ar/index.php/sporadic-sections/articles/political/39698.html





إضافة تعليق

رمز الحماية
تغيير الرمز

اليوم

الأحد, 25 آب/أغسطس 2019  
24. ذوالحجة 1440

الشعر والشعراء

يا من تعتبرون أنفسكم معتدلين..

  نقاشنا تسمونه جدالا أدلتنا تسمونها فلسفة انتقادنا تسمونه سفاهة نصحنا تسمونه حقدا فسادكم تسمونه تدرجا بنككم...

التتمة...

النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ الحـياءُ بــهمْ

نفائس الثمرات النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ الحـياءُ بــهمْ والسـعدُ لا شــكَّ تاراتٌ وهـبَّاتُ النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ...

التتمة...

إعلام ُ عارٍ

إعلام عار ٍ يحاكي وصمة العار      عار ٍ عن الصدق في نقل ٍ وإخبارِ ماسون يدعمه مالا وتوجيها         ...

التتمة...

إقرأ المزيد: الشعر

ثروات الأمة الإسلامية

روائع الإدارة في الحضارة الإسلامية

محمد شعبان أيوب إن من أكثر ما يدلُّ على رُقِيِّ الأُمَّة وتحضُّرِهَا تلك النظم والمؤسسات التي يتعايش بنوها من خلالها، فتَحْكُمهم وتنظِّم أمورهم ومعايشهم؛...

التتمة...

قرطبة مثلا

مقطع يوضح مدى التطور الذي وصلت اليه الدولة الاسلامية، حيث يشرح الدكتور راغب السرجاني كيف كان التقدم والازدهار في  قرطبة.

التتمة...

إقرأ المزيد: ثروات الأمة الإسلامية

إضاءات

JoomlaWatch Stats 1.2.9 by Matej Koval