المرأة في الاعلام

انتباه، فتح في نافذة جديدة. PDFطباعةأرسل إلى صديق

لم يكن تعبير "حقوق المرأة" تعبيراً بريئاً، ولم يُنحت هذا الشعار استرداداً لحق فقدته المرأة من الرجل، بل من النظام القائم، وهو في حقيقته مظهراً من مظاهر التمرد على أحكام الله، والانعتاق من هذه الأحكام شيئا فشيئا، تمهيداً لأن تنخلع هذه المرأة المسلمة من منظومة القيم التي تنتظم حياتها، وتقود سلوكَها فيها. وكان ترحيلاً لمشكلة المرأة التي كانت واقعة في حياة الغرب قبل ما سمي بعصر نهضتهم. فهم كما رحّلوا إلينا مشكلة الفصام والصراع العنيف بين الدين والعلم التي عاشوها في تاريخهم فألصقوها بنا ظلما وعَدْواً ، رحّلوا إلينا مشكلة المرأة.استنساخا لمشاكلهم حتى نتقمص تاريخهم ونعيشه ونسير على هداهم ووفق مسعاهم تقليدا لهم واتباعا وتشبها واقتداءً.

ولقد كان من جرّاء تمكن الكفار المستعمرين، من بلاد المسلمين وسعيهم لتمكين الكفر من قلوب المسلمين وترسيخه في علاقاتهم، وكذلك، من جرّاء استحكام عقدة النقص عند فئات منهم، وشعورِهم بأن الغرب لم يتفوق عليهم، إلا لأمر موجود عنده غير موجود عندنا، وهو طراز عيشه ونمط تفكيره وتسييره لنظام الحياة. فالتقى الماء على أمر قد قدر، مكرٌ يراد بالأمة لحرفها عن دينها من قِبل عدوها، وعجز مستحكم فيها بعد هزيمتها، أفضيا إلى التأسي بالأجنبي وتقليده، في ظل هذه الأجواء الملبدة نشأ مفهوم "تحرير المرأة" و"حقوق المرأة"، بل وصار للمرأة قضية تذكر وتثار.


ولقد بدأ هذه القضية أعلامٌ في الفكر والسياسة والفقه عرفوا بميلهم للأجنبي أو افتتانهم بمناهجه، أو التلقي عنه أو التأثر به، في الوقت الذي كانت الأمة ضعيفة ضعفاً يجعلها تشعر شعورا عميقاً بتفوق الكافر عليها، وتقدمِه في كافة مظاهر الحياة، لأن مبعث التميز الذي يتقدم به المسلمون وهوَ فهمُ دينهم وتسيير حياتهم بموجبِه، لم يكن حاضراً في حياتهم، بل كانت حياتهم من هذا كله خالية، مما يسّر أن يمتلئ الفراغ بما يتاح وهو الفكر الغربي الذي كان حاضراً، تدفعُ به دولٌ كافرة مستعمرة يهمها أن تزرع في نفوس المسلمين كل ما يبقيها في منصب الإمامة من عقولهم وقلوبهم، والقوامة على حياتهم وسلوكهم.

وبزوال سلطان الإسلام عن الوجود، وهو الذي كان يقيم دين الله في الأرض، كان لا بد من تيسير انفلات الناس رجالاً ونساءً من أحكام الله، لكن الناس مؤمنون موحّدون، فلا بد إذن من استخدام الحيلة معهم، وإيهامهم بأسلوب خبيث أن المرأة في الإسلام مظلومة ولا حقوق لها وان الرجل وما أسموهم بالمجتمعات الذكورية في بلاد المسلمين هي التي تظلمها . ولكن كيف السبيل إلى إقناع المرأة المسلمة بهذه الأفكار المسمومة ؟ فكان لا بد من آلية إعلامية ضخمة تعمل عمل السحر في عقول النساء حتى تعميهم وتحرفهم عن الطريق المستقيم . فتبنت وسائل الإعلام قضية المرأة المسلمة بكل حذافيرها وحولتها من قضية مزيفة وهجوم شرس على الإسلام إلى قضية العصر الحديث و قضية للمرأة الناهضة العصرية التي خلعت ثوب التخلف.. والحقيقة هم يريدون سلخها عن هويتها الإسلامية.

ودأب الإعلام على صنع قالب غربي وضع فيه المرأة المسلمة وعمل جاهدا على الإيحاء لها بأن هذه هي الحياة الصحيحة الجديدة حياة تبدل حياتها القديمة البالية التي تركها جميع الناس في هذا العصر الجديد. وقد فعل ذلك من خلال المسلسلات الهابطة وتضخيم وتعظيم الحريات وإعطائها أكبر من حجمها الحقيقي وتغيير واقعها من معصية الله عز وجل إلى تجديد الإسلام والإسلام المعتدل والحوار بين الأديان فساوى بين الأحكام الشرعية وبين الحرية وساوى بين التقيد والإلتزام وبين الإنحلال والتفسخ فاظهر المحجبة في الكليبات والمسلسلات لا تختلف عن الأخريات فهي إنسانة لها إحتياجات يجب أن تشبع بأي طريقة ولا بأس بترتب الآثام عليها.

حتى اللباس الشرعي الذي فرضه الله تعالى قد حرِّف إلى بنطال الجينز واللبس الغربي وجعل منه مجرد قطعة قماش صغيرة الحجم يغطى به الرأس. واتبع الإعلام نفس الأسلوب مع كل الأحكام الشرعية فهاجم أحكام مثل حكم التعدد وربطه بأنه مهانة للزوجة الثانية وخيانة للزوجة الأولى وركز على هذه النقاط ليتلاعب بمشاعر الناس ممن يتابعون وسائل الإعلام التي تمثل عندهم مصدر لمعلوماتهم وإستغل ثقتهم في المادة التي يقدمون وفي الضيوف الذين يستضيفون بالذات ذوي اللحى من علماء الفضائيات المنضبعين بالثقافة الغربية يروجون لها من خلال إعلام فاسد.

والإعلام كالساحر الذي يعمي الابصار والقلوب بأساليب التكرار والإصرار على تكرار المفاهيم الفاسدة التي يريد ترويجها بين الناس. كما يتلاعب بالألفاظ حتى تتغير معانيها فجعل من الأم وربة المنزل إمرأة محبوسة في بيتها لا عمل لها غير تربية أولادها وزرع في أذهان الناس أنها المظلومة المغلوبة على أمرها، من كثر ما بثت بذلك البرامج الحوارية والمسلسلات الهابطة، وبينما صور المرأة المتحررة المنفتحة والتي تزاحم الرجال في أعمالهم صورها بالانيقة العصرية الراقية، والحقيقة أنه نزع عنها ثوب العفة والنقاء وجعلها عاصية لأمر ربها وسافرة بدون زيها الشرعي مختلطة بالرجال إختلاط يحرمه الشرع. وصور أن دور الأم وتربية الأولاد دور تافه وقزمه تقزيم شديد فلم يعط الأمهات حقهن وهن عند الله كالمجاهدات في سبيله بعملهن هذا.

وكما أغفل أن الأم وربة المنزل وكل النساء في الإسلام هن عرض يجب ان يصان، فهتك هذا العرض غير مبال بالحرمات وإقتحم كل الخصوصيات في حياة المرأة المسلمة وتدخل بينها وبين زوجها وبينها وبين أخيها وبل وبينها وبين أبيها وجعل منهم أعداء لها فحرضها على عدم طاعة الزوج بحجة الحرية الشخصية وحرضها على تحدي أخيها بحجة المساواة بين المرأة والرجل وحرضها بشراسة ضد أبيها وطاعته أيضا بحجة العصرنة والفرق بين الأجيال في الأفكار القديمة والأفكار الجديدة مهاجما الاباء والأمهات بحجة أنهم يريدون فرض عادات وتقاليد قديمة وواهية ويجي ان تتغير في العصر الحديث وهم يقصدون مهاجمة ما تبقى من أحكام شرعية عند المسلمين. وإنتزع بذلك من المرأة الحياة الهانئة المطمئنة في كنف أسرتها الصغيرة بجعلها عدوة لزوجها ومتمردة عليه لا تقبل منه قوامة. وحتى معنى القوامة في الشرع قد حرفه الإعلام وتلاعب بالألفظ وجعل منه مصطلح يرعب به المرأة .. بينما قوامة زوجها عليها هو حقها في رعايتها والقيام بكل شؤونها.و كذلك أفسد الإعلام عليها حياتها السعيدة المستقرة أيضا وهي في كنف بيت والدها الذي يحميها ويصونها.

وفعليا إزدادت نسب الطلاق وإرتفعت أعداد المتمردات على الأحكام الشرعية كحكم الإختلاط والخلوة وتعدد الزوجات وبات سفور المرأة المسلمة مقبول بل يشجع المجتمع عليه. وما ذلك إلا لأن الإعلام قد لعب دور قذر في إزدياد الإنحطاط الفكري عند المرأة المسلمة بالذات. بل وأكثر من ذلك خدع الإعلام المرأة التي صدقت أنها سلعة تباع وتشترى بعرض جسدها وبياض وجهها وسواده، وإستغلال جمالها للربح المادي من خلال دعايات تجارية. والملاحظ تقليد الإعلام العربي للإعلام الغربي في قضية المرأة خطوة بخطوة فطرح القضايا التي تهمها وتهم الأمة الإسلامية جميعا من زاويا غربية وكافرة بحتة وتجاهل أن المرأة المسلمة يهمها وجه نظر الشرع في كل مناحي حياتها وهذا ما تبحث عنه عندما تلجأ للإعلام لحل مشكلة أو للتقصي والبحث ولكن الإعلام تعمد أن يستهزأ بها وبعقلها وبأفكارها وأن يتلاعب بمشاعرها، فأغفل الشرع مرارا وتكرارا ما تنتمي إليه هذه المرأة المسلمة، وحتى من إختارهم ليبرزوا وجهة نظر الشرع في القضايا يكونون من المتأمركين ومن الوسطيين ومن المعتدلين ممن يحرفون الإسلام النقي الذي يسميه الإعلاميون بألفاظ كثيرة إلا بمعناها الحقيقي في الفقه وفي الشرع.

ولم يركز الإعلام ابدا على إبراز نماذج قوية للمرأة غير التي يريد الغرب الكافر الترويج لها! فغيب الإعلام تماما تاريخ المرأة المسلمة المشرق. فغيب مثلا نماذج قوية ذات فكر مستنير كأمهات المؤمنين السياسيات اللاتي أسسن لنهضة الإسلام بإقامة الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة وما بعد ذلك إستمرت هذه الدولة الإسلامية تحكم العالم كله ولمئات السنين. ودائما ما يحدثنا التاريخ عن نماذج لنساء مسلمات عالمات حملن الأمانة وكن شقائق الرجال ولكن لم يذكرهن الإعلام وكأنهن غير موجودات! وتعمد إظهار هذا التاريخ على أنه قد فات وولى ولن يرجع مرة أخرى بينما الإسلام الذي أنقذ الإنسانية كلها من وحل الإنحطاط وخط هذا التاريخ المشرق ما زال موجودا. بل جعلت وسائل الإعلام من المرأة المتدينة إمرأة معقدة ينفر منها الناس لكثرة وعظها وجعل منها إمرأة لا تعلم شيئا عن الدنيا غير أن تصلي وتسبح ولا دخل لها بقضية الأمة الإسلامية المصيرية، فتجاهل دورها في نهضة الأمة الإسلامية. كما تجاهل حاملات الدعوة للإسلام المخلصات لله تعالى والعاملات لتغيير الواقع الفاسد بطريقة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل وعمل فقط على تعظيم زوجات ساسة الأنظمة العربية والإسلامية الذين لا يحكمون بالإسلام مطلقا واللاتي مرة أخرى يروجون للحياة الغربية ولتقليد نساء الغرب الكافر في أسلوب حياتهم ولا يمتون بأي صلة للإسلام والمسلمين ولا دخل لهم بأحكام شرعية وتقيد وإلتزام بمنهج الحياة الإسلامية المستقيمة.

وأخيرا نقول أنه لا شك أن للإعلام العربي التابع للإعلام الغربي دور كبير جدا في إنجاح الحملة الشرسة التي شنها الغرب الكافر على المرأة المسلمة في كل حالاتها. ولا يجب ان نغفل أبدا هذا الدور الذي يخضع لسياسات الأنظمة الفاسقة التي تحكم بلاد المسلمين بغير ما أنزل الله تعالى. وهي مؤامرة قديمة جديدة ضد الإسلام والمسلمين في كل أنحاء العالم. ولذلك كان لا بد من العمل على فضح تواطوء الإعلام بكل وسائله مع الحكام حتى يحذر المسلم منها وخصوصا المرأة المسلمة التي يجب أن تنظر لهذه الرسائل الإعلامية المكثفة ضدها وضد دينها العظيم، بعين الناقدة الثاقبة فتمحص وتبحث عن الحق، من زاوية العقيدة الإسلامية حتى لا ينجح الإعلام في تضليلها. ولا حل لهذا الإعلام الفاسد إلا بتغيير الأنظمة التي تتحكم فيه وتوجه الرأي العام من خلاله وتقوده للضلال. فإقامة شرع الله تعالى في العالم بإقامة الخلافة الراشدة والتي يكون إعلامها ملتزما بقضايا الأمة وهدفه إعلاء كلمة الله تعالى وقيادة البشرية إلى الجنة هي سبيل الخلاص الوحيد للإنسانية جميعا.

حاملة دعوة

 





إضافة تعليق

رمز الحماية
تغيير الرمز

اليوم

الأربعاء, 26 حزيران/يونيو 2019  
23. شوال 1440

الشعر والشعراء

يا من تعتبرون أنفسكم معتدلين..

  نقاشنا تسمونه جدالا أدلتنا تسمونها فلسفة انتقادنا تسمونه سفاهة نصحنا تسمونه حقدا فسادكم تسمونه تدرجا بنككم...

التتمة...

النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ الحـياءُ بــهمْ

نفائس الثمرات النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ الحـياءُ بــهمْ والسـعدُ لا شــكَّ تاراتٌ وهـبَّاتُ النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ...

التتمة...

إعلام ُ عارٍ

إعلام عار ٍ يحاكي وصمة العار      عار ٍ عن الصدق في نقل ٍ وإخبارِ ماسون يدعمه مالا وتوجيها         ...

التتمة...

إقرأ المزيد: الشعر

ثروات الأمة الإسلامية

روائع الإدارة في الحضارة الإسلامية

محمد شعبان أيوب إن من أكثر ما يدلُّ على رُقِيِّ الأُمَّة وتحضُّرِهَا تلك النظم والمؤسسات التي يتعايش بنوها من خلالها، فتَحْكُمهم وتنظِّم أمورهم ومعايشهم؛...

التتمة...

قرطبة مثلا

مقطع يوضح مدى التطور الذي وصلت اليه الدولة الاسلامية، حيث يشرح الدكتور راغب السرجاني كيف كان التقدم والازدهار في  قرطبة.

التتمة...

إقرأ المزيد: ثروات الأمة الإسلامية

إضاءات

JoomlaWatch Stats 1.2.9 by Matej Koval