كيف يجب أن يكون المعلم في الإسلام؟!

طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

كيف يجب أن يكون المعلم في الإسلام؟!

 

نتج عن غزو الكفار الفكري لديار المسلمين أن تهدَّمت الأخلاق الإسلامية، وعمَّ الانحلال الأخلاقي باسم الحرية والديمقراطية وغير ذلك من الأسماء الرنانة التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، وهدفها إفساد الشباب وتوجيه وهدر طاقاته فيما لا ينفع. لذلك فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل فرد مسلم، كل حسب دوره وعمله واستطاعته ليساهم في نهضة أمته لترتفع إلى العلوّ وإلى قيادة العالم كما كانت. ومن أهم هذه الأدوار دور المعلّم، وريث دعوة الأنبياء، المربّي، وصانع جيل المستقبل، وصاحب التأثير الكبير في حياتنا وحياة أبنائنا وتوجهاتهم وسلوكهم وحتى ميولهم وتطلعاتهم، وحامل الأمانة العظيمة والتي إن حملها بما يرضي الله تعالى كانت له نوراً وإلا، كانت له ناراً، فما أشرفها من رسالة وما أعظمه من دور! أوليس رسولنا e هو المعلم الأول؟ يقول الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 151] ويعظّم الغزالي مهنة التعليم فيقول "من عَلِمَ وعَلَّمَ فهو الذي يُدعى عظيماً في ملكوت السماوات"... هذا الدور الذي عمل أعداء الإسلام بوسائل عديدة وخبيثة على سلبه منه لأهميته وتأثيره على أجيال كاملة في بناء شخصياتهم وميولهم على أساس العقيدة الإسلامية، ولإفراغ هذا الجيل وجعله مائعاً مسخاً كارها لتاريخ أمته، ظانًّا أن الإسلام سبب تخلف الأمة وضعفها وذلّها...

 

فيا أيها المعلم، هل سألت نفسك يوماً لِمَ أصبحت معلماً؟ لم اخترت هذا الطريق لحياتك؟ فمعرفة هذا بصدق وصراحة يحدد لك صفاتك وأسلوب تعاملك ونهجك في هذا الطريق. فلو نظرنا حولنا لوجدنا أطيافا من المعلمين:

 

فهذا معلّم ينظر للتعليم باعتباره الوظيفة الوحيدة المتاحة أمامه، لم يقصدها رغبةً ولا حرصًا، بل هي فقط مجرد وظيفة وسبب للتكسُّب والارتزاق، ولو كان يستطيع امتهان وظيفة أخرى غيرها تُحقّق له مكاسب أكبر أو مثلها دون تحمل مشاق التعليم لقصدها... ومعلم ثان يشكو دهره ويندب حظّه، بسبب أعباء التدريس المرهِقة وقلة الراتب مقارنة مع أقرانه الذين اختاروا أعمالاً أخرى غير التعليم... وثالث جلُّ همّه إكمال المقرَّرات والفراغ من تدريسها، ولا يربطها بالواقع والعقيدة والإيمان والأخلاق ويعمّقهم في طلابه وسلوكياتهم ومفاهيمهم، ولا يلتفت إلى ما يجري خارج قاعة الدرس رغم ما يراه من فساد دون أن يفكر حتى بإنكاره أمام طلابه، فهو فعليا منفصلٌ تماماً عن واقع طلابه ومجتمعه وأمته... ورابع وخامس وسادس من الصور السلبية التي تزدحم بها حياتنا التعليمية والتي كان لها الأثر السيئ والعميق في مؤسَّسات المجتمع المتنوعة. فأيّ تفوّق وإبداع وأي إخلاص يُرجى ممّن هذه هي حالهم وتطلعاتهم!!

 

إذن، ما هي صفات المعلم الذي يستحق أن ينطبق عليه حديث رسول الله e «إنَّ اللهَ ومَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَواتِ والأرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ في حِجْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ على مُعَلِمِي النَّاسِ الخَيْرَ» (رواه الترمذي)؟! ما هي صفات المعلم صاحب الرسالة التي تقارب رسالة الأنبياء ممن قال عنهم رسول الله e عن ابنِ مَسْعودِ رضيَ الله «لا حَسَدَ إلاَّ في اثنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاه اللهُ مَالاً فسَلَّطَهُ عَلى هَلَكتِهِ في الحَقَّ ورَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقضِي بِها ويُعَلِمُّها».

 

أول هذه الصفات هي تقوى الله والإخلاص له، فعلى المعلم أن يتحرّى بعلمه وإتقانه تعليمه وجه الله تعالى والدار الآخرة، وليس فقط الراتب والثناء من رؤسائه والشهرة والترقية وما شابه. عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله e«مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَة،ِ يَعْنِي رِيحَهَا». فعليه أن يقصد تعليم طلابه وتهذيبهم لما فيه خير الأمة والإسلام. يقول الإمام النووي "ويجب على الْمُعلِّم أن يقصد بتعليمه وجه الله لِما سبق، وألاَّ يجعله وسيلة إلى غرضٍ دنيوي، فيستحضر الْمُعلِّم في ذهنه كون التعليم آكد العبادات، ليكون ذلك حاثًا له على تصحيح النية، ومُحرِّضًا له على صيانته من مُكدِّراته ومن مكروهاته، مخافة فوات هذا الفضل العظيم والخير الجسيم". فبغياب الإخلاص والتقوى يحلّ الرياء والتكاسل والإهمال، فيخرج شباب ضحل الثقافة ضعيف العقيدة، غير واعين ولا مدركين قضايا أمتهم، مشكلين عبئا عليها بدل أن يكونوا مِعولا في بناء نهضتها. فمفهوم أن المعلم سيأخذ الراتب في نهاية الشهر سواء أخلص لله أم لم يخلص، لهي ضربة قاصمة في صميم التربية والتعليم، فأين الإخلاص؟ وأين الله وتقواه؟ وطبعا يجب على المعلم أن يكون متمكّنا من المادة العلمية التي يدرسها، حاذقا لأساليب توصيله العلم لطلابه.

 

ومن أهم صفات المعلم الصبر والحلم وطول البال، فعلى المعلم المربّي الذي يريد إخراج جيلٍ يتبع منهاج وعقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله أن يكون صبورا حليما حتى يستطيع التحمل، فخُلق الصَّبر والتحمُّل له الأجر العظيم من الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾، وكان عليه الصلاة والسلام يأمر بالصبر حتى في أعسر المواقف. وإن طول البال وسعة الصدر ضرورية ومهمة خصوصا كلما تذكر المعلم أن أجره محفوظ عند الله وأن هؤلاء النشء أمانة في عنقه. وعليه أن يدرك أن الطلاب لهم قدرات مختلفة وذوو أمزجة مختلفة، وذوو حاجات ومصالح ومشاكل وهموم مختلفة، فهو لهم معلم ومربٍّ وأب ينبغي أن يتَّسع قلبه لهم، ويرفق بهم ويرحمهم، ويعطف عليهم، ويصبر على معاناة تعليمهم وتوضيح الأفكار لهم بمختلف قدراتهم وحاجاتهم ونفسياتهم وعقولهم، فمنهم من يفهم العبارة والدرس من أول شرحٍ لها، ومنهم من يحتاج إلى إعادة وتكرار وشرح وتفصيل. ورسولنا e يقول: «إن الله لم يبعثنِ معنّتاً ولا متعنّتاً ولكن بعثني معلماً وميسراً».

 

لكن نرى بعض المعلمين هداهم الله لا يملكون من الصبر والرحمة شيئاً، فمجرد أن يُغضبه الطالب أو لا يفهم أمرا أو يسأل عنه تراه يغضب ويثور بدل أن يحلم ويصبر ويتحمل. وقد يحصل أحياناً أن يتعرض لتصرفاتٍ أو كلامٍ به أذى من بعض الطلاب أو شيء من هذا القبيل فلا بد أيضا أن يتحمل ويصبر ويحتسب، ويمتص غضبهم واستفساراتهم وحتى ضجرهم أحيانا، ونذكر حين دخل معاوية بن الحكم رضي الله عنه في الصلاة مع الجماعة ولم يعلم أن الكلام قد حُرّم في الصلاة، فعطس أحد الصحابة فشمته، فنبهه بعض الصحابة بالإشارة فلم يفهم واستمر في كلامه، فلما انتهت الصلاة ناداه رسول الله ﷺ فأتى إليه خائفا، فقال له رسول الله e بكل لطف ولين: «أن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتحميد وقراءة القرآن»، فقال معاوية معلقا على فعل رسول الله ﷺ: بأبي هو وأمي، ما رأيت أحسن تعليما ولا أرفق منه e. فهذا الصبر والرفق من رسول الله e القدوة والمعلّم وما يصدر عنه من أقوال وأفعال وتصرفات كلها تعليم.

 

وكذلك من الصفات التي يجب أن يتحلى بها المعلم الصدق والوفاء بالوعد فيما يدعو الله إليه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، فإذا وعد المعلم الطلاب بوعد معين فلا بد أن يفي بما وعد أو أن يعتذر لهم حتى يكون صادقاً أمامهم فيما يطلب منهم أن يفعلوا أو فيما يطلب منهم أن يتركوا ونحو ذلك. وكذلك عليه أن يكون متخلّقا بخلق التواضع، روى ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" عن عمر بن الخطاب t أنه قال: "تعلَّموا العلم، وعلِّموه للناس، وتعلَّموا له الوقار والسكينة، وتواضعوا لمن تعلَّمتم منه، ولمن علَّمتموه، ولا تكونوا جبابرة العلماء، فلا يقوم جهلكم بعلمكم". وهو مُعلِّم ومتعلم في الوقت نفسه، فلا عجب ولا غرابة أن يستفيد الْمُعلِّم من طلابه في بعض مسائل العلم، بل أن يتراجع عن خطأٍ له وقع فيه، أو يقول لهم: "لا أدري"، و"الله أعلم" فيما خفي عليه ولم يعرفه، فهذا يجعله كبيراً في نفوسهم، ويتعلَّمون منه التواضع، وعدم الجرأة على الفتيا بغير علم.

 

نعلم أن الإسلام دين عدل ومساواة يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، فليس في الإسلام طبقية، ولا يُكرم الغني لغناه ولا يُذَلُّ الفقير لفقره. والطلاب هم رعية والمسئول الأول عنها هو الْمُعلِّم عملاً بحديث رسول الله e«كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته»، فهم سواسية فلا يفاضل في معاملتهم حسب مكانة أهلهم أو حسبهم أو نسبهم أو مالهم... والعدل في المعاملة لم تكن تغيب عن علمائنا الأوائل، فتوارثوا توصية المعلم به، وتحذيره من خلافه. رُوي عن مجاهد بن جبر التابعي الكبير وتلميذ عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: "معلم الصبيان إذ لم يعدل بينهم جاء يوم القيامة مع الظَّلَمة"، وقال ابن سحنون في "ما جاء في العدل بين الصبيان"، "وليجعلهم بالسواء في التعليم، الشريف والوضيع، وإلا كان خائنًا". وليس مثلما نرى في معاملة البعض اليوم لطلابهم يفرقون بين الطلاب، فيتجاوزون عن خطأ وفساد بعض الطلاب ممن أهلهم في موقع السلطة أو الغنى ويعطونهم حقا ليس لهم وعلى حساب غيرهم ممن يستحقونه. بينما في الإسلام حرص الخلفاء أن يعامل المعلمون أبناءهم كما يعاملون غيرهم، فها هو الخليفة هارون الرشيد في الوصية التي أرسلها إلى الكسائي مؤدب ابنه ومن ضمن ما جاء فيها: "... وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورفع مجالس القوّاد إذا حضروا مجلسه، وقوِّمه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أبى فعليك بالشدة والغلظة".

 

إن المعلم الجادّ المخلص لا تقف مهمّته ودوره عند حدّ ما يُقدّمه في الصف، بل دوره الأهم هو قوة تأثيره في طلابه ومجتمعه، في قول الحق والوقوف معه، ولننظر في تاريخ معلمينا وعلمائنا وأئمتنا الذين حملوا العلم وعلّموه عقيدة وعلماً وعملاً ومنهجاً ودعوة، فها هو الإمام أحمد المعلم والذي ضرب أروع الأمثلة في الثبات على المبدأ والصبر أمام الفتن، لقد أوذي وسجن، وضرب وأهين، فلم تلِن له قناة، ولم يتزحزح عن حقٍ يراه ولو كلفه حياته، وهذه دروسٌ للعلماء والمعلمين والدعاة في كل زمانٍ ومكان. وها هي العالمة المعلّمة أم الدرداء الصغرى والتي كان يستدعيها عبد الملك بن مروان لتعلم نساءه، سمعته في مرة يلعن خادمه لأنه أبطأ عليه في أمر، فقالت له: سمعت أبا الدرداء يقول، سمعت رسول الله e يقول: «لا يكون اللّعانون شفعاء ولا شهداء، يوم القيامة»، قالت ذلك له ولم تخش في الحق لومة لائم ولم يمنعها كونه الخليفة من قول الحق، ولم تقل ليس لي علاقة بالأمر أو ليس هذا من شأني مثلما يفعل عدد من علماء ومعلمي هذا الزمان، ولم تقف موقف المتفرج غير العامِل مثل المعلمين الذين يقفون موقفا سلبيا مما يرونه الآن من تغريب في سياسة التعليم وتغيير في المناهج، فحتى لو كانوا لا يستطيعون التغيير في نُظم التعليم والمناهج - تلك السموم التي يضعونها لأبنائنا وبناتنا بين طيات الكتب ودفّاته - إلا أنَّ ذلك لا يعفيهم من واجبهم في إنكارها وتخفيف أضرارها بإعطاء الفكرة الصحيحة التي تنقضها من أساسها فهذا واجبهم كمربين مسلمين، خاصة ونحن نعيش النظام الرأسمالي بكل ما يحمله من مفاهيم بعيدة عن أحكام الإسلام عاملين فيه على هدم العقيدة الإسلامية ونشر الفساد والعلمانية والحريات والديمقراطية وغيرها من المفاهيم الرأسمالية العفنة في نفوس أبنائنا، فيجب عليهم إظهار هذا الفساد ومحاربة تلك الأفكار وتبيان زيفها وخطرها. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "ليس العلم بكثرة الحديث ولكن العلم بالخشية". فعليهم تعليمهم أسلوب التفكير الإسلامي الصحيح وعدم الرضا بما لا يُرضي الشرع، والصدع بالحق وعدم المداهنة والنفاق فيه... أن يزرعوا في نفوسهم أن الأجل والرزق بيد الله وحده فلا يخافون في الله لومة لائم، ولا يتعلمون الخوف والجبن...

 

ولكن للأسف وفي ظل الأنظمة الفاسدة التي تتحكم بالتعليم وبالمعلمين فإنها تحرص يوما بعد يوم على تعيين معلمين علمانيّي الفكر، يعتبرون الحضارة الغربية ومفاهيمها مثلهم الأعلى، وأن المنفعة والمصلحة أساس العلاقات، فتراهم مخلصين لتلك السياسة في التعليم والمناهج ويعطونها كما يريد واضعوها، بل ومن المعلمين من يكون على رأي القائلين ملكيا أكثر من الملكيين ويجاهد في إدخال هذه الأفكار في عقول طلبته بكل الطرق والوسائل في ذلك وكأنه سيأخذ نيشاناً منهم على إخلاصه في ذلك، ناسياً أو متناسياً خطورة هذا الأمر وعقابه عند رب العباد، حيث إنه لم يكتفِ بعدم إظهار ذلك الفساد بل وأيضاً يشجع عليه بتشجيعه تلك المناهج والأفكار المسمومة... ولا يقوم بدوره الحقيقي في الصدع بالحق.

 

وإن من أهم الأدوار التي يقوم بها الْمُعلِّم هو بناء شخصيات طلابه، أولئك الذين ينظرون إليه على أنه مثلهم الأعلى... ولهذا على المعلم أن يكون قدوة صالحة لطلابه، فإن القدوة الصالحة تُعتبر من أنجح الوسائل المؤثّرة في تكوين شخصية المتعلّم... قدوة في جوهره ومظهره، في شخصيته وقوة تأثيره، في أخلاقه وأدبه، فها هي أم الإمام مالك توصي ابنها بأن يطلب الأدب من معلمه قبل أن يأخذ العلم منه لما للأدب من أهمية على طالب العلم في سلوكه مع نفسه ومع ربه ومع الناس... فإنه لما طلب العلم وذكر لأمه أنه يريد أن يذهب فيكتب العلم، ألبسته أحسن الثياب، وعمَّمَته، ثم قالت: اذهب فاكتب الآن. وقال رحمه الله: كانت أمي تعمّمني وتقول لي "اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه". فالمعلم الذي يتحدّث لطلابه عن أضرار التدخين مثلا، والسيجارة في يده!.. أو الذي يحثّ طلابه على الصدق والالتزام بالمواعيد وأهمية الوفاء بها، ثم يكذب أو يحضر إلى الصف متأخرًا، أو يعد بما لا ينفّذ، أو يسكت ويجبن وينافق في موقف يتطلب الجرأة في الحق، فإنه يمحو بتصرف واحد عشرات الأقوال التي يصبُّها في آذانهم...

 

إذن، المعـلم ليس خازنا للعلم يغترف منه التلاميذ المعارف والمعلومات، ولكنه نموذج وقدوة... والقدوة عامل مهم في صلاح المتعلم أو فساده، فإن كان المربي صادقاً أمينًا كريماً شجاعًا عفيفاً يتَّسم بالخُلق الصالح نشأ المتعلّم على الصدق والأمانة والخُلق والكرم والشجاعة والعفة... وإن كان المربِّي كاذباً خائناً منافقاً جباناً نذلاً، نشأ المتعلّم على هذه الصفات والأخلاق. فمقام المعلم وموقعه ودوره جدُّ خطير، فلينظر كل معلم كم يُصلح من الناس وكم يُفسد! كم يؤثر إيجاباً وكم يؤثر سلباً! فالتعليم بالقدوة أعظم تأثيراً وأقوى حُجة من الكلام النظريّ المجرد، فكيف إذا كان الفعل يُخالف القول والسلوك يعاكس التوجيه؟!... وقد نعى القرآن الكريم على بني إسرائيل ذلك في قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44].

 

نخلص من هذا أن للمعلم دوراً ومكانة عالية مهمّة... ولا يجب أن يكون بمعزلٍ عن الأمة والمجتمع، بل يجب أن يكون له كما قلنا سابقا تأثير، فهو عالم عامل، قارئ مجاهد، آمرٌ بالمعروف ناهٍ عن المنكر، صادع بالحق... وسأذكر هنا قصة عن امرأة عالمة معلمة لنرى منها قوة تأثير العالم المعلّم حتى على الحكام، يُحترم ويُهاب جانبه، وهي قصة للسيدة نفيسة بنت الحسن التي كان لها أثر علمي في فقه عالمين كبيرين من أئمة المسلمين، وهما الشافعي وأحمد بن حنبل، ففي أحد الأيام وهي في مصر حيث عاشت، حدث أن قبض أعوان أحد الأمراء على رجل من العامة ليعذبوه. فبينما هو سائر معهم، مرّ بدار السيدة نفيسة فصاح مستجيراً بها. فدعت له بالخلاص قائلة: "حجب الله عنك أبصار الظالمين". ولما وصلوا بالرجل بين يدي الأمير، قالوا له: إنه مرّ بالسيدة نفيسة فاستجار بها وسألها الدعاء فدعت له بخلاصه، فقال الأمير: "أوَبلغ من ظلمي هذا يا رب، إني تائب إليك وأستغفرك". وصرف الأمير الرجل، ثم جمع ماله وتصدق ببعضه على الفقراء والمساكين.

 

وقيل أنه لما ظلم أحمد بن طولون، استغاث الناس من ظلمه، وتوجهوا إلى السيدة نفيسة يشكونه إليها. فقالت لهم: متى يركب؟ قالوا: في غد. فكتبت رقعة ووقفت بها في طريقه، وقالت: يا أحمد بن طولون. فلما رآها عرفها فترجّل عن فرسه، وأخذ منها الرقعة وقرأ ما فيها: "ملكتم فأسرتم، وقدرتم فقهرتم، وخُوّلتم ففسقتم، وردت إليكم الأرزاق فقطعتم، هذا وقد علمتم أن سهام الأسحار نفاذة غير مخطئة لا سيّما من قلوب أوجعتموها، وأكباد جوعتموها، وأجساد عريتموها، فمحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم، اعملوا ما شئتم فإنَّا إلى الله متظلمون، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون"! يقول القرماني: فعدل من بعدها ابن طولون لوقته! فرفع المظالم عن الناس... وهذا ما يجب أن يعرفه الجميع، أن المعلم له تأثير ودور وهيبة ومكانة ضاعت مثلما ضاع الكثير عندما ضاعت هيبة الإسلام بعد هدم دولته، ولن تعود إلا بعودتها وعودة الإسلام عزيزا مُهابا كما كان، وما ذلك على الله بعزيز...

 

وأختم بهذه الوصية التي قالها علي رضي الله عنه لكميل بن زياد النخعي الذي قال: "أخذ علي بن أبي طالب بيدي فأخرجني إلى ناحية الجُبَّان، فلما أصحرنا - أي نزلنا إلى الصحراء - جلس ثم تنفس ثم قال يا كُميل بن زياد، القُلُوبُ أوعيةٌ؛ فَخَيْرُها أوْعاها، احْفَظْ ما أقولُ لَكَ، النَّاسُ ثلاثةٌ: فَعالِمٌ رَبَّانِيٌّ، ومُتَعَلِّمٌ عَلى سَبيلِ نَجَاةٍ، وهَمَجٌ رَعاعٌ، أتْباعُ كلِّ ناعِقٍ، يَميلونَ مَع كُلِّ رِيحٍ، لَم يَسْتَضِيئوا بِنُور العَلمِ ولم يَلجَأوا إلى رُكنٍ وَثِـيقٍ. العِلمُ خَيرٌ من المالِ، العِلْمُ يَحْرُسُكَ وأنْتَ تَحرُسُ المالَ، العلمُ يَزُكو على العَمَلِ، والمال تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، العلمُ حَاكِمٌ، والمال مَحكُومُ عَلَيْه، وصَنيعَةُ المالِ تَزُولُ بِزَوَالِهِ، ومَحَبَّةُ العالم دِيْنٌ يُدانُ بها. مَاتَ خُزَّانُ الأَموالِ وَهمُ أَحْيَاءٌ، والعلماءُ بَاقُونَ مَا بَقِي الدَّهْرُ، أَعْيَانهم مَفْقُودَةٌ، وَأَمْثَالُهُم في القُلُوبِ مَوجُودَةٌ"...

 

اللهم أعزّنا بالإسلام وأعزّ الإسلام بنا...

 

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مسلمة الشامي (أم صهيب)

- See more at: http://www.hizb-ut-tahrir.info/ar/index.php/sporadic-sections/articles/cultural/42506.html#sthash.r4FPUE66.dpuf



شارك على فيس بوك