الثلاثاء آب 22

المفهوم الشرعي الطاعة

انتباه، فتح في نافذة جديدة. PDFطباعةأرسل إلى صديق

المفهوم الشرعي الطاعة



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الخلق واشرف المرسلين، وبعد:
يقول الله تعالى: {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} (آل عمران:132)، إن لله سننا في الأمم والأفراد فيما يتصل بهلاكهم أو عافيتهم، فمن شاء أن يرحم سواء كان أمة أو فردا فعليه بطاعة الله ورسوله.

أما الطاعة: فهي ضد المعصية ومعناها الانقياد والاستسلام والخضوع

وأما لمن تكون؟ 

فالأصل أن تكون الطاعة لله وللرسول قال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} (الأحزاب:36)، وطاعة الرسول هي طاعة الله تعالى، قال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} (آل عمران:31) ذلك لأن القرآن وحي الله إلى رسوله لفظا ومعنى، والحديث هو وحي الله إلى رسوله معنى واللفظ لرسول الله، وصدق الله العظيم: {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى} (النجم:3-4)

طاعة الله والرسول فيها الخير والبركة والسداد والنصر، فعندما ارتدت القبائل عن الإسلام بعد وفاة الرسول ، وقد عقد اللواء لأسامة بن زيد أن يتوجه إلى الشام قبل وفاته، وقف الصحابة معارضين إصرار أبي بكر على بعث جيش أسامة خوفا على المدينة أن تستباح من قبل المرتدين إذا خرج الجيش فقال أبو بكر: ( والله لو جرت الكلاب بأقدام أمهات المؤمنين ما حللت لواء عقده رسول الله) الله أكبر كلمات تكتب بماء الذهب!! ولا يعلم أجرها إلا الله، وألقى الله الرعب في قلوب المرتدين حيث قالوا: (ما كان ليبعث جيش أسامة لأطراف الشام إلا وله في المدينة من يدافع عنها). 

ومعصية الله والرسول فيها الانكسار والهزيمة والخذلان، وعندما أمر رسول الله الرماة في غزوة أحد أن يحفظوا ويلزموا أماكنهم ولو رأوا الطير تتخطف المسلمين، وينتصر المسلمون في أول المعركة ويتنادى الرماة: الغنائم الغنائم، فيتركوا موقعهم، وبحركة التفاف يقوم بها خالد بن الوليد وكان كافرا، فينفرط عقد المسلمين وكان درسا عمليا يتناسب مع عظم الحقيقة التي أراد الله لأمة الحق أن تتربى عليها أن الطاعة لله والرسول فيها النصر، وأن المعصية لله والرسول فيها الهزيمة، ولو انتصر المسلمون على ما فعلوه، لما كانت لهم بعد ذلك طاعة حيث يقولون: عصينا فانتصرنا وصدق الله العظيم: {إن تنصروا الله ينصركم} (محمد:7)

وأما أنواعها؟ فينبغي أن نعلم أن للطاعة مفهومان:
• مفهوم غير اسلامي: وهي الطاعة العمياء او طاعة المصالح او طاعة الخوف، او اي نوع من الطاعة بلا ضوابط ولا أصول نعود إليها من الكتاب والسنة وما ارشدا اليه من إجماع الصحابة والقياس، وهذا المفهوم للطاعة مرفوض.
• مفهوم إسلامي: وهي الطاعة المبصرة، الواعية، المدركة، التي يحكمها الكتاب والسنة وما ارشدا اليه من اجماع وقياس.

بعض الضوابط للطاعة على المطيع وذلك متخيل في ولي الامر او من هم دونه او في امير الحزب الذي يعمل لدين الاسلام بالأسس الشرعية او من هم دونه او لمن تجب له الطاعة:
1- السمع والطاعة في غير معصية الله، فمن امر بمعصية الله فلا طاعة له، عن علي بن أبي طالب قال: "استعمل النبي صلى الله عليه وسلم - رجلاً من الأنصار على سرية بعثهم وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا قال: فأغضبوه في شيء فقال: اجمعوا لي حطبا. فجمعوا فقال: أوقدوا نارًا فأوقدوا"، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى. قال: فادخلوها. قال: فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار. قال: فسكن غضبه وطفئت النار، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف".[رواه البخاري].
2- الحرص على تنفيذ الامر بأفضل صورة ممكنة والاجتهاد لنجاح الأمر بأتم وجه إن كان هناك مجال للاجتهاد، وان كان الامر على صورة معينة فعليه تنفيذها من غير زيادة ولا نقصان. ومن الامثلة على امور تحتاج الى حنكة واجتهاد وحرص على تنفيذ الامر ما قاله جندب بن مكيث الجهيني: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الكلبي إلى بني الملوح بالكديد، وأمره أن يغير عليهم وكنت في سريته، فمضينا حتى إذا كنا بالقديد.. فعمدت إلى تل يطلعني على الحاضر، فانبطحت عليه، وذلك قبل غروب الشمس، فخرج رجل منهم فنظر فرآني منبطحا على التل، فقال لامرأته: إني لأرى سوادًا على هذا التل ما رأيته في أول النهار، فانظري لا تكون الكلاب اجترت بعض أوعيتك. فنظرت فقالت: والله ما أفقد منها شيئًا. قال: فناوليني قوسي وسهمين من نبلي، فناولته فرماني بسهم في جنبي، أو قال في جبيني، فنزعته فوضعته ولم أتحرك، ثم رماني بالآخر فوضعه في رأس منكبي فنزعته فوضعته ولم أتحرك، فقال لامرأته: أمَا والله لقد خالطه سهماي، ولو كان ريبة لتحرك، فإذا أصبحت فابتغي سهمي فخذيهما لا تمضغهما عليَّ الكلاب. قال: فأمهلنا حتى إذا راحت روايحهم وحتى احتلبوا وعطنوا وسكنوا، وذهبت عتمة من الليل شننا عليهم الغارة، فقتلنا واستقنا النعم".[البداية والنهاية 4/223].
ومن الامثلة على امور تحتاج الى تنفيذ الامر على وجهه دون زيادة ولا نقصان ما حصل في غزوة الخندق حيث قال حذيفة رضي الله عنه: "لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب. وأخذتنا ريح شديدة وقر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟) فسكتنا فلم يجبه منا أحد. ثم قال (ألا برجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟) فسكتنا فلم يجبه منا أحد. ثم قال (ألا برجل يأتينا بخبر القوم ، جعله الله معي يوم القيامة؟) فسكتنا فلم يجبه منا أحد فقال (قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم) فلم أجد بدًّا، إذ دعاني باسمي، أن أقوم. قال (اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي) فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم فرأيت أبا سفيان يصلى ظهره بالنار فوضعت سهما في كبد القوس فأردت أن أرميه فذكرت قول رسول الله (ولا تذعرهم علي) ولو رميته لأصبته فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم، وفرغت، قررت. فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها فلم أزل نائما حتى أصبحت فلما أصبحت قال (قم يا نومان)".[رواه مسلم].
3- اذا تم اختيار شخص لمهمة معينة من بين عدة اشخاص، فعليه ان يجتهد في مهمته في احسن صورة مثل قصة حذيفة بن اليمان في القصة السابقة، فان من اختاره يعلم قدرته وهو من يتحمل مسؤولية اختياره، اما هو فعليه القيام بها بأحسن وجه وان لم يكن له فيها رأي.
4- تبرز التقوى وقوة الشخص اذا امر بأمر صعب فيها مشقة، لان الامور الاعتيادية يطيع فيها الجميع اما الامور الصعبة فلا ينفذها إلا من هم أهل لها، عن أبي الوليد عبادة ابن الصامت رضي الله عنه قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله تعالى فيه برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم"[رواه البخاري ومسلم].
5- طاعة ولي الأمر فرض ونقصد بها الحاكم المسلم الحق وليس حكام اليوم وان ظلم وفسق واكل حقوق الرعية، قال عليه الصلاة والسلام ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله)) رواه البخاري وقوله ((على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره)) رواه مسلم وقال عليه الصلاة والسلام ((تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ)) رواه مسلم، وهذا لا يعني ابد السكوت بل ان محاسبة الحكام فرض على المسلمين ان قصروا او هضموا حقوقها او ظلموها قال عليه الصلاة والسلام ((أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)) ابو داود والترمذي وقال صلى الله عليه وسلم (( كلاّ والله لتأمرن بالمعروف و لتنهون عن المنكر و لتأخذن على يد الظالم و لتأطرنه على الحق أطرا و لتـقـصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم )) رواه أبو داود و الترمذي
6- حكام اليوم لا تجب طاعتهم لأنهم ليسوا ولاة أمر، بل تجب إزالتهم وإقامة حكم الإسلام على أنقاضهم.
7- طاعة المسؤول في الحزب واجبة، قال عليه الصلاة والسلام ((إِذَا كَانَ نَفَرٌ ثَلاثَةٌ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ)) مستدرك الحاكم، وان امارة الحزب وطاعتها من هذا الباب، وطاعة المسؤول واجبة وان عصى الله، فان معصيته لله لا توجب عدم طاعته بل يجب محاسبته على تقصيره وطاعته في امره.
8- اعتبار الامر العام في الطاعة لمجموعة من الاشخاص موجها للشخص بعينه وانه لا يتم إلا بطاعته، فأنت على ثغرة من ثغر الاسلام فلا يؤتين من قبلك، فلا يقولن قائل غيري يفعل وان لم افعل لن اضر العمل، فهذا ليس قول من اراد طاعة الله ورسوله، بل هو قول الكسالى المتواكلين.
9- ترتيب الطاعة معروف فأولا طاعة الله ورسوله ثم طاعة ولي الامر ثم طاعة امير الحزب ثم طاعة الوالدين ثم طاعة الزوجة لزوجها الى اخره مما يمكن تقديمه، قال عليه الصلاة والسلام: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)) ابن عبد البر في الاستيعاب، وقال تعالى: { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا} (لقمان:15) وعن عائشة قالت: ((سألت رسول الله : أي الناس أعظم حقا على المرأة؟ قال: زوجها؟ قلت: فأي الناس أعظم حقا على الرجل؟ قال: أمه)) رواه البزار والحاكم وإسناد البزار حسن، وأما الحزب الذي يقوم بفرض فان طاعته مقدمة على غيره من البشر إلا ولي الأمر فطاعته واجبة على جميع المسلمين في غير معصية الله.

بعض الامور التي يجب ان تكون في المطاع مثل ولي او من هم دونه او امير الحزب الذي يعمل لدين الاسلام بالأسس الشرعية او من هم دونه:
1- الاهلية لهذا المنصب، فان هذه المناصب تكليف لا تشريف، عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟؟ قال فضرب بيده على منكبي ثم قال: ((يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)) رواه مسلم
2- مراعاة تقوى الله فيمن هو مسؤول عنهم، فان حسابه يوم القيامة اشد من حساب من هم دونه، قال عليه الصلاة والسلام : ((ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة)) رواه مسلم، وقوله عليه الصلاة والسلام (( كلكم راع ومسئول عن رعيته فالإمام راع ومسئول عن رعيته والرجل في أهله راع وهو مسئول عن رعيته والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها والخادم في مال سيده راع وهو مسئول عن رعيته، قال فسمعت هؤلاء من النبي صلى الله عليه وسلم وأحسب النبي صلى الله عليه وسلم قال والرجل في مال أبيه راع ومسئول عن رعيته فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)) رواه البخاري
3- الاجتهاد في اصدار الاوامر بما يحقق المصلحة الشرعية في احسن صورة وعدم الاستهتار بها، فان عدم العناية بهذا الامر نوع من الغش للرعية، قال عليه الصلاة والسلام: ((ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)) رواه مسلم
4- مؤاخاة ومصاحبة من هو مسؤول عنهم وعدم إشعارهم بالطبقية أبدا، فقد قال أنس بن مالك: دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله ثم قال أيكم محمد؟؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم فقلنا له هذا الأبيض المتكئ...)) سنن ابي داود، حتى ان الصحابة بعد رسول الله حاسبوا عمر الخطاب في ثوب رأوه اطول من ثيابهم، لعدم تميزهم أبدا عمن هم مسؤولون عنهم.
5- عدم الفظاظة في التعامل مع من هو مسؤول عنهم، قال تعالى: {وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} ( 159 ال عمران)

وأخيرا فان الطاعة من المواضيع التي يجب فهمها فهما قويا بالنسبة الينا كمسلمين حتى يعرف كل منا واجبه وما هو ملقى على عاتقه من مسؤولية، وليعرف الجميع ان المسؤولية تكليف لا تشريف، وان النجاة لنا جميعا هو بطاعة الله ورسوله اولا ثم طاعة ولي الأمر أو المسؤول، وان المعصية أو عدم الاهتمام بهذا الموضوع الحساس يؤدي الى كثير من المشاكل في الدنيا والعذاب في الآخرة.

 

منقول

http://naqed.info/forums/index.php?showtopic=4778&hl=





إضافة تعليق

رمز الحماية
تغيير الرمز

اليوم

الثلاثاء, 22 آب/أغسطس 2017  
29. ذوالقعدة 1438

الشعر والشعراء

يا من تعتبرون أنفسكم معتدلين..

يا من تعتبرون أنفسكم معتدلين.. أدلتنا تسمونها فلسفة نقاشنا تسمونه جدالا نصحنا تسمونه حقدا انتقادنا تسمونه سفاهة...

التتمة...

النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ الحـياءُ بــهمْ

نفائس الثمرات   النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ الحـياءُ بــهمْ     النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ الحـياءُ بــهمْ     ...

التتمة...

إعلام ُ عارٍ

إعلام عار ٍ يحاكي وصمة العار      عار ٍ عن الصدق في نقل ٍ وإخبارِ ماسون يدعمه مالا وتوجيها         ...

التتمة...

إقرأ المزيد: الشعر

ثروات الأمة الإسلامية

روائع الإدارة في الحضارة الإسلامية

محمد شعبان أيوب إن من أكثر ما يدلُّ على رُقِيِّ الأُمَّة وتحضُّرِهَا تلك النظم والمؤسسات التي يتعايش بنوها من خلالها، فتَحْكُمهم وتنظِّم أمورهم ومعايشهم؛ لتمنحهم...

التتمة...

قرطبة مثلا

مقطع يوضح مدى التطور الذي وصلت اليه الدولة الاسلامية، حيث يشرح الدكتور راغب السرجاني كيف كان التقدم والازدهار في  قرطبة.

التتمة...

إقرأ المزيد: ثروات الأمة الإسلامية

إضاءات

JoomlaWatch Stats 1.2.9 by Matej Koval