أثر الحجّ في الحياة الثقافيّة والاجتماعيّة عبر العصور

انتباه، فتح في نافذة جديدة. PDFطباعةأرسل إلى صديق

أ. د. محمّد الحبيب الهيلة

إنّ من أبهى وأعظم خصائص الإسلام ومزاياه ارتباط عبادته وشعائره بالتربية والتثقيف والإصلاح والتوجيه، والدفع إلى الخير، والمنع من الضلال. فكانت محلات العبادة مدارس ثقافيّة وعلميّة، كما كانت مراكز توجيه وإصلاح للفرد المسلم وللجماعة المسلمة.

تعوّد المسلمون منذ العهد النبوي الأوّل أن يكون الحرم المكّي في موسم الحجّ موطناً للقاء بين العالِم والمتعلّم ومكان التلقّي للمعرفة والتفقّه، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله خلال حجّة الوداع قائماً على التعليم والتثقيف، يُسأل فيجيب، ويتجمع حوله الناس فيبلّغ المعرفة والهداية. إلاّ أنّ تفقيهه ذلك لم يكن ليصل إلى جميع المسلمين، فدعا الناس وهو في الخيف من منى إلى إبلاغ المعرفة وتداولها والعمل على وصولها إلى كافّة الناس، وإنّ المعرفة أمانة عندهم عليهم إبلاغها لأيّ مسلم كان وتلقيها من أيّ مسلم كان بشرط الصدق والإخلاص. فقد روى الترمذي في سننه حديثاً نصّه: "قام رسول الله صلى الله عليه وآله بالخيف من منى فقال: نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثمّ أسلمها إلى مَن لم يسمعها. فرُبَّ حامل فقه لا فقه له، ورُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه" (1).
ولما انتقل المسلمون إلى عرفات ألقى فيهم خطبة الوداع التي تعتبر هي أيضاً مثلا للإبلاغ من الرسول المعلّم إلى عامّة المتلقين من المسلمين الحجيج.

وهكذا ارتبط موسم الحج من بدايات ظهوره ارتباطاً وثيقاً بالتثقيف والتعليم، كما ارتبط بتأصيل وترتيب التعامل الاجتماعي. كلّ ذلك ينضاف إلى العبادة والسعي إلى التقرّب من الله زلفي ونيل خيره وهديه ومغفرته.

ودأب المسلمون على ذلك منذ فجر الدعوة إلى يوم الناس هذا، فإذا مكّة المكرّمة تصبح عاصمة للثقافة الإسلاميّة وتتعاضد مع المدينة المنوّرة لاحتضان وإيواء أولى المدارس العلميّة الإسلاميّة التي شرّعت الطريق ونهجت المناهج وغرست البذرات التي انتجت ثمار المعرفة الإسلاميّة فيها وفي الأمصار الأخرى.

ففي مكّة المكرّمة، نشأت أولى المدارس العلميّة على أسس ركّزها رجل أدرك قيمته رسول الله صلى الله عليه وآله فسمّاه «خير هذه الأمّة» أو «ترجمان القرآن» إنّه عبد الله بن عبّاس الذي اضطلع بتفقيه المسلمين في مختلف عرصات الحرم وخاصّة في دار زمزم التي عرف الناس مجلسه بها، فوردوا عليه يسمعون تفسيره للقرآن، ورواياته للأحاديث، وتدريسه لأنواع من الفقه العقدي الديني واللغوي وغير ذلك.ثمّ تتالت بعده الطبقات من أعلام المكّيين.

وترسخ الطابع العلمي لمكّة المكرّمة فأصبحت عاصمة ثقافيّة لأسباب وجيهة وواضحة. فإنّ إلى مكّة يحجّ الناس ويأتونها من كلّ صوب. ويقدمون عليها من كلّ بلد ومن كلّ قطر ومصر. ففيها يلتقي الحجيج من عامّة أو من مثقّفين علماء. فيأتي كلّ منهم بزاده العلمي، وقدرته الثقافيّة، وتجاربه الحضاريّة، وتطورات مجتمعه وتغيراته فيكون لقاؤهم في مؤتمرهم السنوي مباركاً ومفيداً، لأنّه يقدّم عمليّة إعلاميّة واسعة النطاق تبلغ المعلومة من السِنْد إلى الأندلس، ومن السودان إلى تركيا، وقُلْ من كلّ بلد إسلاميّ إلى كلّ بلد إسلاميّ.

يَقدُم الوافدون إلى مكّة فيهدون إليها شذرات من ثقافاتهم وعلومهم، وتهديهم مكّة بدورها علماً واسعاً ومعارف نافعة، ويجدها الناس قد هيّأت لهم جماعات من العلماء وجحافل من المثقفين يستجيبون لتطلعاتهم ويجيبون عن أسئلة الحجيج وتوقفاتهم، وينشرون معارفهم التي وصلوا إليها ببحثهم ونظرهم، كما ينقلون لهم ما بلغهم من فقه وثقافات الأقطار الأخرى. وهكذا كان علماء مكّة صلة الوصل ونقطة الالتقاء بين علماء المسلمين على اختلاف بلادهم وأمصارهم.

وتتجلّى لنا قيمة هذه العاصمة الثقافيّة بما تشارك به في النمو الفكري الإسلامي وتقدّمه من علماء ضمن الزاد البشري المثقّف للأمّة. لقد قدمت مكّة للثقافة الإسلاميّة أساطين من العلماء وأعلام من المثقفين ومشاهير من المفكرين والمنتجين في العديد من المجالات. وتستبين لنا أهمّية هذا الزاد البشري من العلماء إذا ما طالعنا كتب التراجم والطبقات الخاصّة بالمكيين، وهي كثيرة وعديدة تناولت كلّ العصور والأزمان.

ولإظهار عيّنة من ذلك، نذكر كتابين من نتاج القرن التاسع يقومان دليلا على ثراء مكّة الثقافي، ووفرة ما رُزقته من أبناء مثقفين وعلماء.

أوّل الكتابين تأليف لتقي الدين الفاسي المكّي (ت832هـ / 1429م) عنوانه «العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين» (مطبوع في ثمانية مجلدات) انصبّ فيه أغلب اهتمام المؤلّف على تراجم علماء مكّة مرتبين على حروف الهجاء، مسبوقين بالمحمدين والأحمدين، فكانت أعدادهم تصل إلى الآلاف. وثاني الكتابين ألف بعد الأوّل بخمسين سنة. إنّه كتاب (الدرّ الكمين بذيل العقد الثمين) الذي وضعه النجم عمر بن التقي بن فهد (ت885هـ / 1480م) فأكمل فيه ما نقص أو أهمل في العقد من تراجم المكّيين، وذيّل عليه بتراجم من ظهروا بعد تأليف العقد، فأورد فيه آلاف أخرى من تراجم المكّيين.

ويعتبر الكتابان عنصران لأوّل معلمة تاريخيّة جامعة لأخبار المكّيين والمكّيات من علماء وفقهاء، وأهل ثقافة وأدب. فما بالنا لو أضفنا لهؤلاء المترجمين من أهل مكّة من جاء بعد القرن التاسع إلى قرننا الخامس عشر!

لقد انتشر الوعي الثقافي والتطلّع العلمي في المجتمع المكّي فمسّ كلّ طبقات سكّانها، وبدت فيه ظاهرة دالّة على عمق المدينة المقدّسة بالثقافة والعلوم، ذلك أنّ مكّة عرفت منذ القرن الخامس الهجري عدداً كبيراً من العوائل العلميّة التي أخذت على عاتقها إبراز المكانة العلميّة لمدينتهم. وظلّت كلّ عائلة يتداول أبناؤها بنود المعرفة ويرفعون أعلام الثقافة أباً عن جد، فتعيش كلّ عائلة علميّة ما يُكتب لها من حياة، وقد يبقى بعضها منتجاً يزود المجتمع المكّي بالعلماء والمثقفين لسبعة قرون أو تزيد.

فمن العوائل العلميّة المكّية التي نذكرها للدلالة لا للإحاطة:

ـ بنو الطبري (الطبور): قرشيون وردوا من طبرة بفلسطين، وظهرت مكانتهم في العلم من القرن الخامس الهجري إلى الثالث عشر.

ـ بنو فهد (الفهود) هاشميّون وردوا من آصفون بمصر، ظهروا في القرن الثامن واستمرّوا إلى ما بعد القرن العاشر.

ـ بنو الفاسي: وهم حسنيّون وردوا من فاس، وامتاز منهم التقي بتآليفه في القرن التاسع.

ـ بنو القسطلاني: وردوا من توزر بالجريد جنوب البلاد التونسيّة في القرن السابع.

ـ بنو الحطاب: وردوا من طرابلس الغرب خلال القرن العاشر.

ـ بنو علان: عُرف منهم علماء ومؤرخون خلال القرنين التاسع والعاشر.

ـ بنو النهروالي: أصلهم من عدن، ووردوا من نهروالة بالهند في نهاية القرن التاسع، وأنتجوا علماً إلى القرن الحادي عشر.

لقد ساهم أبناء هذه البيوتات العلميّة من المكّيين في إرساء قواعد مجد علمي تليد وشرف ثقافي فاخر بما ألّفوا من الكتب والمجاميع والرسائل، وبما ألقوا من الدروس وأداروا من الحوارات العلميّة والمناظرات، وبما جمعوا من شهادات وإجازات علميّة تقاطرت عليهم من كلّ مراكز المعرفة التي حوتها البلاد الإسلاميّة.

وتمرّ قوافل السنين وتنعقد مواسم الحجّ متوالية فلا تكاد تعدم لقاءً علميّاً أو مجمع درس أو مقابلة للتلقي واستجازة وإجازة في كلّ جانب من جوانب الحرم المكّي والحرم المدني، وتحت أغلب العرصات وتجاه كلّ معلَم من المعالم المباركات. بحيث لا تكاد تجد حاجّاً له أثارة من علم يعود إلى بلده دون باب جديد من أبواب المعرفة، أو تفسير آية، أو مطالعة كتاب قُرئ، أو حديث رُوي، أو مسألة علميّة أو فقهيّة أو لغوية اشتمل عليها وطابُه، وحَوتها عيبته وجرابه.

وإذا عدت بذاكرتك إلى ما قرأناه من كتب الحديث وطبقات الرجال ومسطورات تراجم العلماء والمحدثين، واستعرضت ولو لماماً ما مرّ عليك من دواوين التاريخ العامّة والخاصّة، وتذكرت كم من محدّث أو مؤرّخ روى أن الحديث الفلاني أخذه فلان عن شيخه فلان في لقائه به عند حجّهما.ولو حاولت أن تجمع ما تفرّق في مطالعاتك من استدعاءات بعض أهل العلم بعض شيوخهم سواء من أهل مكّة أو من الوافدين عليها للحجّ، هذا يطلب من ذاك إجازة خاصّة بكتاب أو عامّة بمؤلّفات عديدة، وإذا أردت أن تلمّ بما تفرّق من حصاد المعارف نتيجة لما طالعت وتتبّعت من كتب الحديث لتتذكر بعض ما ورد فيها من مجالس التلقي العلمي، إنّك إن حاولت كلّ ذلك فلن تستطيع أن تؤلّف له إحصاء، ولن تستطيع أن تجمع معه غير القليل القليل ممّا ورد عرضاً في ثنايا المسطورات وبين دفّات الكتاب في مختلف العلوم وأنواع المعارف والعديد من الاختصاصات. فلا نعرف كتاباً قديماً أو حديثاً جمع الزاد العلمي المتداول بين أهل المعارف من مختلف البلاد الإسلاميّة في مكّة المكرّمة خلال مواسم الحجّ، فتكتفي بما استقرّ في نفسك كما استقرّ في نفسي بأنّ هذا الزاد المتداول بين الحجيج من طلاب العلم كثير متوافر، وتظهر لك مكّة المكرّمة في صورتها العلميّة البهيجة، فهي عند موسم الحجّ مدرسة علميّة تعجّ بأصوات دروس شيوخها والوافدين عليها على مختلف لغاتهم، وتكثر فيها دراسات المسائل المتنوّعة وتنتقل فيها المعارف من صدور إلى صدور، ومن أفواه وأفكار متعبدة عاملة إلى آذان ونفوس متعبّدة واعية.

ولو بحثنا عن كتاب يقدّم لنا صورة ومثالا لما استقرّ بأذهاننا لهذه الحركة العلميّة المكّية خلال الحجّ لما استطعنا أن نظفر بما هو أقرب للواقع ممّا كتبه بعض الرحالة العلماء، وخاصّة أولئك الذين أرادوا أن يسجّلوا تحرّكاتهم العلميّة في موسم الحجّ بمكّة فكتبوا مؤلّفاتهم، لا لتتبّع أخبار وغرائب المدن والقرى، وإنّما سجّلوا رحلاتهم وتنقلاتهم بين وحدات العلم ومؤسساته، وبين كتب المعارف ودفاترها، وبين شيوخ الإقراء ومجامع دروسها، واصفين ذلك بكلّ تدقيق وتفنّن فلم يتحدّثوا عن المباني الشامخة، بل ذكروا شموخ رجال المعرفة ورسوخ أسسها فيها، ولم يصفوا موائد القصور بل وصفوا موائد العرفان والعلوم.

وإنّ من خير ما عرفناه من رحلات علميّة تستجيب لما نريد وتقدّم لنا عينة عمّا كان يحدث في الحرم المكّي خلال موسم الحجّ من حركة علميّة رحلة المحدّث الأندلسي محمّد بن رُشَيْد الفهري (ت721هـ / 1321م)، التي سجّل فيها صاحبها وقائع اللقاءات العلميّة التي حظي بها، وما جمعه من الكتب والأحاديث والمسائل المتفرقات ممّا قلّ أن اجتمع في غيرها من كتب الرحلات.

كانت رحلة ابن رشيد للحجّ سنة 624هـ / 1227م، لم يُقِم بمكّة إلاّ أقلّ من عشرين يوماً، حيث دخلها في السادس والعشرين من ذي القعدة وغادرها قاصداً للمدينة المنوّرة في الخامس عشر من ذي الحجّة. ورغم ذلك، فقد لقي الرجل من العلماء الكثير، وجمع من مرويّاتهم وكتبهم وإجازاتهم الكثير.

وإنّي لمطمئن لأهمّية اختياري هذا الرجل وهذه الرحلة ليكون عيّنة صادقة لما يقع عادة في المجتمع المكّي من حركة علميّة مباركة في موسم الحجّ. فإنّه لا يكتفي القادمون بالأخذ عن شيوخ مكّة وعلمائها، بل يكون التدابج والأخذ والعطاء بينهم وبين المكّيين وبين الوافدين من مختلف بلادهم واتّجاهاتهم. فيأخذ المغربي عن الهندي ويأخذ الأندلسي عن العراقي، ويأخذ الطرابلسي عن اليمني، ويأخذ المصري عن الشامي وهلمّ جرّاً ممّا يمثّل شبكة من الاتصال توصل الأطراف بالأطراف وتقرّب المتباعدين، ويلتقي بهذا الحرم الأمين العلماء المسلمون من مختلف أقطار الأرض.

فهذا ابن رشيد الفهري السبتي يلتقي في المركب البحري بالفقيه أبي عبدالله المرجاني التونسي وتنعقد المودّة بينهما بعد اتّفاقهما حول قضيّة فقهيّة عرضت في طريقهما إلى عرفات، فتوجّها إليها وقد تماسكت أيديهما.(2) وناظر المرجاني فقيه مكّة المكرّمة رضي الدين العسقلاني في مسائل فقهيّة.(3)

كما يشاركهما في المركب البحري عالم فاضل وأديب زاهد من مدينة بسكرة هو أبومحمّد عبدالله البسكري الذي روى عنه ابن رُشيد أشعاراً وأحوالا وأخباراً.(4)

ويلتقي ابن رشيد بالعالمين الأخوين رضي الدين العسقلاني وعلم الدين العسقلاني في منزلهما في الحرم الشريف، فكان منهما الأنس والضيافة والاحتفال بابن رُشيد، وكانا معه في طريقهم إلى دارهما فسمع عليهما أولا حديثاً مسلسلا هو: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَن في الأرض يرحمكم من في السماء".

كما قرأ ابن رُشيد على رضي الدين العسقلاني المكّي كتاب الأربعين من رواية المحمّدين تخريج الحافظ الجيّاني. وقُرئ عليه وابن رُشيد يسمع بالحرم الشريف أبيات شوق قالها أحد المغادرين لمكّة بعد حجّهم. كما سمع منه مسلسل الدعاء.

ولقي ابن رُشيد الأندلسي شيخاً من دمشق هو أبو اليمن عبدالصمد بن عساكر عند وروده على مكّة، فسمع عليه جملة من الكتب بعضها بمنزله بمنى يوم النحر، وبعضها بباب منزله بالحرم، وسمع منه أشعاراً بباب الصفاء وبالمسجد الحرام، كما أجاز لعلماء من تونس ومن الأندلس تجاه الكعبة الغراء.(5)

ولقي ابن رُشيد في حجّه عالم مكّة وفقيهها المحبّ الطبري (ت694هـ / 1295م) الذي يعتبر قمّة علمائها في وقته حيث تعدّدت اختصاصاته، فألّف الكتب الكبيرة في التفسير والحديث والفقه والتاريخ. قابله ابن رُشيد بالحرم الشريف وطلب منه السماع والإجازة فأجاز له بخطّه كتباً كثيرة منها، كتابات الطبقات لابن الجوزي، وروى له من أشعاره التي يتشوّق فيها للبيت والحرم.

ولقي ابن رُشيد بمكّة من علماء بغداد شيخين هما عبد الرحيم بن الزجاج وابن أخيه عبد الحميد اللذين كانا يدرّسان أيّام الحجّ كُتب الحديث. وسمع عليهما بين الحجر الأسود وزمزم جزءاً من حديث أبي الحسين بن العالي.

ولا يعدم طالب العلم في مكّة مكاناً يجد فيه علماً. فقد لقي ابن رشيد أحد العلماء الوافدين نسي اسمه وليس من عادته أن ينسى فهو الضابط المتحري، ولعلّ ذلك لكثرة من لقي من الناس عرف الرجل العالم في المطاف فقام بينهما حوار وهما يطوفان حول الحكمة من مشروعيّة الطواف على يسار البيت العتيق.(6)

وإذا كان الحجّ في بعض جوانبه لقاءات ثقافيّة ومجتمع علوم، فإن تلك العلوم بأنواعها والمعارف بإشراقاتها لا تصيب محلّها ولا تظهر فائدتها إلاّ إذا توفّرت لها مجتمعات سليمة المسالك طيّبة المقاصد، معتمدة على قواعد من العدل وحسن التعامل، منطلقة من مبادئ الأخوّة بين المسلمين والمساواة بينهم، مؤسسة على أنّهم كالجسد الواحد إذا أصيب منه عضو تداعت له بقيّة الأعضاء.

ولقد حرص التشريع الإسلامي على أن يجعل الحجّ موعد لقاء المسلمين لتكريس قواعد اجتماعيّة تكون ذات أثر مفيد في مجتمعاتهم على اختلاف أنواعها.

ففي الحجّ تربية إيمانيّة للإنسان، إذ هو يدفعه إلى ربط الصلة بينه وبين ربّه، ويقوده إلى حسن الاعتقاد وحسن العبادة وتذوّق حلاوة الإيمان مع عمق مشاعره الجيّاشة وارتفاع أصوات الاستجارة والدعاء والاستغفار.

وفي الحجّ، تجرّد عن زخرف الدنيا وزينتها ليوجه الحاج إلى الخشوع الكامل لله فيعبده العبادة الكاملة.

وفي الحجّ، ابتعاد عن الرفث والفسوق والجدال، وفي ذلك ابتعاد عن كلّ ضلال مضلّ، وكلّ طغيان أعمى، وكلّ نزوات حمقاء.

وفي الحجّ وحدة تجمع مختلف أجناس المسلمين والوافدين من عديد أقطارهم، ففيه وحدة مساواة بين مختلف ألوان المسلمين ودرجاتهم الاجتماعيّة والمادّية، فلا فرق بين غني وفقير، ولا بين قائد وأجير، ولا بين خامل وأمير فكانوا جميعاً عباد الله وإخواناً. يكون لباسهم واحداً، ونداؤهم بالتلبية واحداً، وقيامهم بشعائرهم واحداً، وتنسى كلّ طبقة ما كانت فيه قبل قدومها خيراً كان أو شرّاً.

وبالحجّ ينعكس صدق انتماء المسلم لدينه ولجماعته المسلمة، فإنّه لم يتجشّم مشقّة السفر إلاّ ليعلن عن تمسّكه بدينه وبوحدته مع كلّ المسلمين في أقاصي الأرض، أفلم يصدع بتلبية الله وهو الذي يدعوه إلى التمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها وهي أيمانه الصادق وعلمه المفيد؟

وفي الحجّ ينعقد مؤتمر يجمع الملايين ممّن اتفقوا بتلقائيّة على أن يختاروا حضوره دون دعوة بشريّة، بل استجابوا بكلّ حريّة واختيار لدعوة إلهيّة لم يفضّل فيها أحد ولم يحرم أحد ليُكرم أحد.

يلتقي الحجيج في مؤتمر يقام للاجتماع والتعارف وليقع فيه التنسيق والتعاون. هو مؤتمر تنسيق الخطط وتوحيد القوى وتبادل المعارف والتجارب. مؤتمر يفسح المجال للقدر الكبير من الحوار والنقاش المثمر وتبادل الآراء وبذل النصيحة وتقديم ثمار التجارب. مؤتمر تنعقد فيه العلاقات الشخصيّة الحميمة كما تتألف فيه علاقات المجتمعات بالمجتمعات، فيساعد على غرس الثقة بينها ويمحو ما يمكن أن تكون أفسدته أيدي الإشاعات ومجاهل السياسات الخرقاء.

وفي الحجّ يتجرّد المسلم من ثوبه الذي طالما كان يحرص على انتقائه والتباهي به، ويجرّد منه ليدخل ضمن مجامع من أمثاله المتوجهين إلى الله. وذلك ممّا يدعوه إلى التجرد من أنانيّته وذاتيّته، والتجرد من عوامل تكبّره وتعاظمه، والتجرّد ممّا يدفعه إلى كلّ شرّ ورذيلة.

وفي تجرّده ذلك يمكن له أن ينظر إلى حقيقة نفسه خالية من مظهرها، فتنكشف له وجوه سعيه إلى مصالحه وطموحاته وتطلعاته ليعرف صالحها من سيّئها، ويُخضع نفسه لنقد ذاتي يدعوه إلى السعي للخير والإسراع إلى البرّ والصلاح.

الحجّ دعوة من الله البارئ موجّهة للإنسان الذي توفرت في قلبه عقيدة طاهرة وإيمان عميق، فإذا هو يستجيب شاهداً على نفسه أنّه يلبّي في حجّه دعوة إلهيّة. فهو في حجّه يتوجّه إلى ربّه قائلا: «لبّيك اللّهم لبّيك» مراراً وتكراراً، فلا يكون له في فترة حجّه ذاك من الأعمال والمواقف إلاّ ما يكون مصداقاً لتلك التلبية التي أعلنها على رؤوس الملأ، وأعادها وكرّرها لتستقرّ في نفسه، ويُشهد عليها ربّه أولا، وكلّ من سمعه من الناس.

بالحجّ المبرور يقوم الدليل الواضح على أنّ وحدة المسلمين ممكنة إذا ما تطهّرت القلوب فحسُنت النوايا، وإذا صدقت عقيدة المسلمين فآمنوا بالله وعملوا بقوله {إنمّا المؤمنون إخوة}، وإذا ما كفَّت ألسنة وأيدي المسلمين عن
المسلمين، وإذا ما أمسك المسلمون عن الرفث والفسوق بجميع أنواعه. فسوق العمل وفسوق اللسان وفسوق النفس بالاستعلاء والعنصريّة والإقليميّة والقبليّة. وإذا ما انصرف المسلمون عن الجدال الذي تكون غايته الرغبة في الانتصار والاستعلاء لا ذلك الحوار الذي غايته الاستيضاح أو التوضيح للحقيقة والصواب. فلو أنّ المجموعات الإسلاميّة ألزمت نفسها بحدود الله في الحجّ فلم ترفث فيما بينها ولم تفسق ولم تتجادل، لتعلمت كيف تتعامل مع بعضها البعض ليصلح حال المسلمين وينجلي عنهم الضيم والمذلّة والتشرذم والتبعثر، ولأصبح حالهم غير ما هي عليه اليوم.

لقد أكّد الله سبحانه وتعالى في كتابه المنزل أنّ أولئك الذين يستجيبون ويأتون } رجالا وعلى كلّ ضامر يأتين من كلّ فجّ عميق{ إنّما جاؤا } ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله{ ولا شك أنّ من بين هذه المنافع إصلاح مجتمعاتهم، وتنقية علاقاتهم ببعضهم، وإشاعة السلام والعدل والمساواة بينهم. وهو ما أكّده وبيّنه رسول الله صلى الله عليه وآله في خطبة الوداع أمام جموع الحجيج، وأشهدهم على تبليغه، وأشهد الله على ذلك.

دعا الرسول الكريم الناس بقوله: «أيّها الناس إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا»، وقال: «وإنّكم ستلقون ربّكم فيسألكم عن أعمالكم». وفي ذلك أمر بحفظ الحقوق وعدم الاعتداء والظلم، وتذكير بمسؤولياتهم التي سيحاسبهم عليها ربّهم. ودعاهم إلى صدق التعامل بينهم فقال: "من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها".

وبما أنّ المجتمع الإنساني الصالح يرتكز على عنصرين متلازمين متكاملين هما الرجل والمرأة، وأنّ فترات الجاهليّة والجهالة تغرّ القوي بقوّته فيعتدي طرف على طرف، ويظهر الظلم الفاحش للرجال على نسائهم فيكون في ذلك تمزق العائلة والتناحر الاجتماعي... فقد ذكّر رسول الله صلى الله عليه وآله بحقوق النساء وواجباتهنّ بقوله: "استوصوا بالنساء خيراً".

فهل يصل مجتمع ما إلى تقدّم وصلاح وخير بدون محبّة وتعاون وتكامل وأخوّة؟ وهل يكون ذلك بدون إقامة العدل واعتماد شريعة المساواة في الحقوق والواجبات؟

لذلك كان من أواخر ما أكّده رسول الله صلى الله عليه وآله على الناس ليفهموه وَيَعوه هو قوله: "إنّ كلّ مسلم أخ للمسلم، وإنّ المسلمين إخوة، فلا يحلّ لمسلم من أخيه إلاّ ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمُنّ أنفسكم".

ولم يقع اختيار رسول الله صلى الله عليه وآله لهذه المعاني في خطبة حجّة الوداع إلاّ ليبيّن للمسلمين أنّ من الغايات السامية للإسلام إصلاح مجتمعاتهم وتوجيههم إلى الأمن والصلاح الاجتماعيين. وبدون ذلك لن يكون التقدّم، وبدون ذلك لن تُعاد كرامة، وبدون ذلك لن نكون تلك الأمّة التي خاطبها الله بقوله: {وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً}.
______________________________

1. الترمذي: السنن، 10، 114.
2. رحلة ابن رُشيد 5: 86، 101.
3. رحلة ابن رشيد، 5: 129.
4. رحلة ابن رُشيد 5: 267ـ268.
5. رحلة ابن رُشيد 5: 145، وما بعدها.
6. رحلة ابن رُشيد 5: 262.


 عن مجلة ميقات الحج





إضافة تعليق

رمز الحماية
تغيير الرمز

اليوم

الثلاثاء, 22 تشرين1/أكتوير 2019  
23. صفر 1441

الشعر والشعراء

يا من تعتبرون أنفسكم معتدلين..

  نقاشنا تسمونه جدالا أدلتنا تسمونها فلسفة انتقادنا تسمونه سفاهة نصحنا تسمونه حقدا فسادكم تسمونه تدرجا بنككم...

التتمة...

النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ الحـياءُ بــهمْ

نفائس الثمرات النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ الحـياءُ بــهمْ والسـعدُ لا شــكَّ تاراتٌ وهـبَّاتُ النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ...

التتمة...

إعلام ُ عارٍ

إعلام عار ٍ يحاكي وصمة العار      عار ٍ عن الصدق في نقل ٍ وإخبارِ ماسون يدعمه مالا وتوجيها         ...

التتمة...

إقرأ المزيد: الشعر

ثروات الأمة الإسلامية

روائع الإدارة في الحضارة الإسلامية

محمد شعبان أيوب إن من أكثر ما يدلُّ على رُقِيِّ الأُمَّة وتحضُّرِهَا تلك النظم والمؤسسات التي يتعايش بنوها من خلالها، فتَحْكُمهم وتنظِّم أمورهم ومعايشهم؛...

التتمة...

قرطبة مثلا

مقطع يوضح مدى التطور الذي وصلت اليه الدولة الاسلامية، حيث يشرح الدكتور راغب السرجاني كيف كان التقدم والازدهار في  قرطبة.

التتمة...

إقرأ المزيد: ثروات الأمة الإسلامية

إضاءات

JoomlaWatch Stats 1.2.9 by Matej Koval