وصف الجنة في سورة الغاشية

انتباه، فتح في نافذة جديدة. PDFطباعةأرسل إلى صديق

 الجنة في آيات سورة الغاشية

قال تعالى :
( وجوه يومئذ ناعمة * لسعيها راضية * في جنة عالية * لا تسمع فيها لاغية * فيها عين جارية * فيها سرر مرفوعة * وأكواب موضوعة * ونمارق مصفوفة * وزرابي مبثوثة ) الغاشية : الآيات:8_16

 " وجوه يومئذ ناعمة"
وهذا وصف آخر، ناعم لوجوه أهل الجنة علاوة على أنها وجوه مسفرة، ضاحكة مستبشرة، فهي في هذا اليوم - يوم القيامة – أيضا وجوه ناعمة، لا يرهقها قتر ولا ذله، فهي وجوه ذات حسن وبهجة، نتيجة ما يلقونه في الجنة من نعيم وتكريم..
فأثر النعيم يصدقه الوجه ولا يكذبه، ورغد العيش لا يمكن تجاهله..

فهم في عيش كريم ويغدق عليهم من شتى أنواع الملذات والنعيم، وهذا كله ينعكس على وجوههم فيعطيها رونقا ونعومة وحسن، فتبدوا وضاءة وناعمة ومشرقة، وعلى صورة القمر ليلة البدر.
جاء في الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أول زمره يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دريّ في السماء أضاءه،...على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء".
ونعومة الوجوه لا تقتصر على رغد العيش إنما أيضاً في الراحة النفيسة ومتعها الروحية من خلال الشعور بالرفعة والرضا :

" لسعيها راضية"
فأصحاب الوجوه الناعمة اليوم راضون ويحسون الحس الروحي بمزية كل حرف من حروف الرضى ...فهم قد رضوا بما قدموا من أعمال بعد أن رأوا رضا الله تعالى عنها، فالسعي واصل , والثواب والرضا حاصل , فهل هناك أجلّ من رضى الله الوهّاب الثوّاب ؟ وهل يوجد بعد ثواب الجنة شيء أسمه ثواب ؟ وكيف لا يكون هناك رضى وهم :

" في جنة عالية"
فهي جنة عالية بدرجاتها، عالية في ذاتها، مرتفعة عن الكافرين وعن كل رجس ودنس، فهم فيها وبرفعتها في الغرفات آمنون...ولعلوّهم ورفعتهم أثر خاص في أنفسهم وحسهم، فهم يحسون ويدركون نعيم التكريم في هذا المقام الكريم الرفيع.
أخرج أبو يعلي بسند جيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الرجل لتكون له عند الله المنزلة الرفيعة فما يبلغها بعمل، فما زال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغها ".
والجنة مع علو شأنها ومكانتها، فإنها أيضا على درجات متفاوتة فيما بينها من حيث العلو والرفعة والقدر والمنزلة، ويكون المؤمن فيها في الدرجة التي تتناسب مع عمله في الدنيا ودرجة إيمانه.
أخرج ابن المبارك عن أبي المتوكل الناجي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الدرجة في الجنة فوق الدرجة كما بين السماء والأرض، وان العبد ليرفع بصره، فيلمع له برق يكاد يخطف بصره، فيفزع من ذلك فيقول :

ما هذا ؟
فيقال : هذا نور أخيك فلان.
فيقول : أخي فلان، كنا نعمل بالدنيا جميعا، وقد فضّـل عليّ هكذا ؟
فيقال له : إنه كان أفضل منك عملاً، ثم يجعل في قلبه الرضى حتى يرضى".
ورسول الله صلى الله عليه وسلم، كان حريص على أن تكون أمته من اصحاب الدرجات العُلا في هذه الجنة العالية، لذا فقد كان عليه الصلاة والسلام يكثر من إرشادهم إلى الطرق التي تؤدي بهم إلى نيل تلك الدرجات العلا من الجنة.
أخرج الإمام مسلم , عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات؟ "
قالوا : بلى يا رسول الله.
قال : " إسباغ الوضوء على المكاره، وكثر الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذالكم الرباط ".
واخرج الحاكم عن أبي كعب , رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات، فليعف عن من ظلمه، ويعطي من حرمه ويصل من قطعه".
واخرج الترمذي والحاكم والبيهقي، عن عباده بن الصامت رضي الله عنه, أن النبي صلى الله عليه وسلم , قال :" إن في الجنة مائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومن فوقها العرش، ومنها تفجر انهار الجنة الأربعة، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ".

وفي العلو والرفعة ترفع عن لغو القول :

"žلا تسمع فيها لاغية"
فالجنة كما هي عالية في نزلها ومنزلتها فهي أيضا عالية بسمو أهلها ورفعة ما تحويه في طياتها، فليس في الجنة فحش أو بذي قول أو بغي حديث، وليس فيها غش أو دنس أو تلوين حقيقة، وليس فيها بهت أو غيبة، فقلوب أصحاب الجنة صافية وبريئة .. لا غل فيها , والغل منها منزوع ... وهم إخواناً على سرر متقابلين، يطيب لهم السمر والكلام، بطيب ما في الكلام من طيب وإكرام ..
وفي هذا المعنى  ما يظهر إن أهل الجنة يعيشون في جو يسوده الأمن والسلام، وروح المحبة والألفة والشعور بالرضا وما فيه من الهدوء والسكون، وهذا يدل على اكتمال سبل العيش الكريم والهانئ الخالي من كل شائبة أو منغص، سواء كبر أو قل وهذا ما يعطيهم المتعة والاستمتاع الكامل والخالص بنعيم الجنة، والسعادة الأبدية الخالدة التي لا تنتهي بزمان، ولا تنحصر بمكان.
والسمر وطيب الكلام قد يكون في الحقول والبساتين وعلى ضفاف الأنهار والعيون الجارية :

 " فيها عين جارية"
والعين الجارية في الجنة ليست واحدة، وهي هنا على سبيل الذكر لا على سبيل الحصر، وذكرها هنا أيضا بصيغة النكرة دون الإشارة إلى كنهها وسرها، وذلك يطلق حد الوصف والتصور لما هي عليه من صفة الجمال الفريد والأخاذ.
ويكفي هنا أن نتصور جمال إحدى العيون الجارية في هذا  الدنيا - مع حفظ المقام بين ما في الجنة وبين ما في الدنيا – وهي تتدفق بالمياه العذبة السائغة للشاربين, والبسط من حولها وعلى ضفافها ممدودة ويعلوها روادها العاشقين للجمال وسحر الطبيعة الخلاب، فترى هذا يلقي بصنارته، وهذا يجدف بقاربه ... وذاك قد أشعل منقلة وموقده ... وأولئك الفتية قد ابتدءوا اللعبة .. وصوت المياه الرتيب يملأ النفوس جمالا ومتعة .. وعبير الزهور الممزوج بنسمات المياه العذبة يضفي للجلسة نكهة أخرى ورقه .. وكل هذا الجمال وهذا السحر من تلك العين الجارية .. فماذا لو كانت هذه العين متلونة .. مره من لبن وأخرى من عسل، وثالثة من خمر، ورابعة من زنجبيل، وخامسة إلى ابعد حد..

قال تعالى :
"مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعاءهم  " سورة محمد : الآية :15
ثم إن في الجنة عين تسمى " تسنيم " تنبع من عليين، يشرب منها عباد الله المقربون صرف، وتمزج لسائر أهل الجنة. ولو أن مقدار كأس منها مزجت في بحور الدنيا فشرب أهلها منها لأغنتهم عن الطعام والشراب من طيب طعمها ولذيذ شربها.
أخرج سعيد بن منصور، والبيهقي عن ابن عباس قال : التسنيم، اشرف طعام شراب أهل الجنة، وهو صرف للمقربين، ويمزج منه لأصحاب اليمين.
وتلون النعيم يوحي بكرم الضيافة كما يوحي برفعة وارتفاع التقدير :

" فيها سرر مرفوعة"
وهذا ما يشابه أفعال أهل الدنيا من اصحاب الكرم، فإذا ما حل بهم زائر كريم، فإنهم يختارون له المكان المشرف والمرتفع، واللائق من بيوتهم، ويضعون له الفراش فوق الفراش، والوسادة فوق الوسادة،...زيادة ومتعه له، ويحرصون على راحته كي تطيب له الجلسة وأنسها.
وارتفاع السرر في الجنة فيه رفعة شأن لأهلها، لما في معنى الارتفاع من سمو وتنزيه وطهارة.
وهذه السرر أيضاً مزينة بالحلي , والأنواع الفاخرة النفيسة من الزبرجد والدر والياقوت إضافة إلى أنها مشبكه بالذهب والفضة التي تعلوها فرش بطائنها من إستبرق، وهذه الفرش جاء وصفها بأنها مرفوعة كما في قوله تعالى "<¸ãèùur>ptãqèùö¨B    " سورة الواقعة : الآية : 34، وهي بذلك تتناسب مع هذه السرر.
قال ابن عباس : ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت.
ومع ارتفاع هذه السرر يستطيع أهل الجنة أن ينظروا إلى أقصى حد من ملكهم ونعيمهم الذي أولاهم الله إياه مما يزيد في متعتهم الحسية والروحية، وهذه المتعة إذا ما أردنا المقاربة, فهي تشبه متعة اصحاب الأملاك والبساتين الواسعة وهم ينظرون إلى جمال , وخضرة , ونضرة ,و سعة هذه الأملاك من خلال تله أو جبل يحاذي ملكهم , وقد تزيد متعتهم أكثر إذا ما نظروا إليها من خلال الطائرة.
ولما تعددت درجات الجنة من حيث السعة والرفعة والارتفاع، تعددت سعة ورفعة وارتفاع هذه السرر فظهرت كأنها سرر بعضها فوق بعض.
ومع ارتفاع السرر تظهر متعة أخرى لها مزية خاصة، فهذه السرر تتواضع وتدنو من صاحبها إذا ما أراد الجلوس أو الاتكاء عليها، وبخلاف المصعد الكهربائي المعروف في الدنيا.
ثم يمضي النعيم خطوة أبعد لنجد أن كل شيء في الجنة معدود وموضوع ومهيأ بما يأتي عليه الذوق والحس :

" وأكواب موضوعة * ونمارق مصفوفة * وزرابي مبثوثة"
الأكواب : آنية الشراب، أو الأقداح.
نمارق : وسائد ومرافق يتكأ عليها ومفردها نمرقة.
زرابي : البسط الفاخرة العريضة، وتشمل ما يعرف بالسجاجيد.
وأكواب الشراب معدة ومملوءة، يشربون منها كيفما شاءوا، فهي كثيرة ومتوفرة وموضوعة في كل مكان، على ضفاف الأنهار المتنوعة , والعيون الجارية وبين أيدي الغلمان , ويطاف بها عليهم، وفي الأباريق التي تأتي إليهم دون أن يكدوا في الوصول إليها...
أخرج ابن أبي الدنيا بسند جيد، عن أبي امامة، قال :
أن الرجل من أهل الجنة ليشتهي من شراب الجنة، فيجيء الإبريق، فيقع في يده، فيشرب، ثم يعود إلى مكانه.
ولا عجب في ذلك، فهم يعيشون في هناء ورغد العيش وحياتهم تسير بهم كما يشتهون، وكلها يسر وسهولة، ورتابة وجمال .
 والجمال أيضاً يجدوه في النمارق المصفوفة الواحدة تلو الأخرى في صفوف ناعمة .. نعومة مشهد واتكأ. وليس هذا فحسب بل أن نعومة المشهد تطول وتمتد لتشمل نعومة وجمال الزرابي المبثوثة المتناثرة والمنشورة أمام كل صف من صفوف النمارق الناعمة.
وإذا ما اجتمعت النمارق وجمال صفوفها والزرابي وأناقة بثها، طاب الجلوس والاتكاء لأهل الجنة عليها، فيطيب لهم طيب الشراب والحديث، فيتسامرون وهم متكئين دون أن يحذوهم ملل أو  يساورهم  كلل.
ثم إن جمال النعيم لا يأتي عليه الحس ويدركه الوصف إلا بحدود ما يأتي عليه حسن ووصف أهل الدنيا الذي لا يغادر حسهم ووصفهم له حدود هذه السماء وهذه الأرض.
وهذا الإحساس لا يدركه إلا أهل الجنة الذين هم في خضم الجمال والنعيم، لأنهم هم أصحاب المدارك التي تستوعب لذة الجمال والنعيم, ولذة الإكرام والتكريم .

(عن كتاب الجنة في القرآن الكريم :ص417 /بكر عبد الحافظ الخليفات _ دار الكتب العلمية _ بيروت _ لبنان. )





التعليقات 

 
+1 #5 رد على: وصف الجنة في سورة الغاشيةاحمد الصمادي 2012-05-07 17:22
اللهم اجعلنا من أصحاب المدارك التي تستوعب لذة الجمال والنعيم, ولذة الإكرام والتكريم في جنات الفردوس يا عظيم
إقتباس
 
 
+1 #4 رد على: وصف الجنة في سورة الغاشيةاحمد الصمادي 2012-05-06 22:36
جزى الله كاتبنا كل خير
إقتباس
 
 
+1 #3 رد على: وصف الجنة في سورة الغاشيةخالد الصمادي 2012-04-30 12:20
اللهم أسالك يا مالك الملك بان تكون امة محمد عليه الف صلاة وسلام من اصحاب جناتك يارب يا كريم يا عظيم سألتك يالله يارب العالمين بعدد الحركات والسكون ان تكون انا منهم يارب
إقتباس
 
 
+1 #2 الاردنهاشم 2012-04-29 06:22
وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .. اللهم إنا نسألك الدرجات العلا في الجنة
إقتباس
 
 
+1 #1 الاردنغيث 2012-04-28 09:48
اللهم اجعلنا من أصحاب المدارك التي تستوعب لذة الجمال والنعيم, ولذة الإكرام والتكريم
إقتباس
 

إضافة تعليق

رمز الحماية
تغيير الرمز

اليوم

الأربعاء, 18 أيلول/سبتمبر 2019  
19. المحرم 1441

الشعر والشعراء

يا من تعتبرون أنفسكم معتدلين..

  نقاشنا تسمونه جدالا أدلتنا تسمونها فلسفة انتقادنا تسمونه سفاهة نصحنا تسمونه حقدا فسادكم تسمونه تدرجا بنككم...

التتمة...

النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ الحـياءُ بــهمْ

نفائس الثمرات النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ الحـياءُ بــهمْ والسـعدُ لا شــكَّ تاراتٌ وهـبَّاتُ النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ...

التتمة...

إعلام ُ عارٍ

إعلام عار ٍ يحاكي وصمة العار      عار ٍ عن الصدق في نقل ٍ وإخبارِ ماسون يدعمه مالا وتوجيها         ...

التتمة...

إقرأ المزيد: الشعر

ثروات الأمة الإسلامية

روائع الإدارة في الحضارة الإسلامية

محمد شعبان أيوب إن من أكثر ما يدلُّ على رُقِيِّ الأُمَّة وتحضُّرِهَا تلك النظم والمؤسسات التي يتعايش بنوها من خلالها، فتَحْكُمهم وتنظِّم أمورهم ومعايشهم؛...

التتمة...

قرطبة مثلا

مقطع يوضح مدى التطور الذي وصلت اليه الدولة الاسلامية، حيث يشرح الدكتور راغب السرجاني كيف كان التقدم والازدهار في  قرطبة.

التتمة...

إقرأ المزيد: ثروات الأمة الإسلامية

إضاءات

JoomlaWatch Stats 1.2.9 by Matej Koval