اقرؤوا بعض أمجاد اقوى ولاية زمن الخلافة العباسية

انتباه، فتح في نافذة جديدة. PDFطباعةأرسل إلى صديق

بقلم الأستاذ  داود العرامين /فلسطين

بقيت بلاد الشام أقوى الولايات وبالذات في عهد الخلافة العباسية –التي اعتراها بعض فترات الضعف بسبب تسلط فئة أو فئات أجنبية  لها مطامع خاصة مثل البويهيين والسلاجقة والبرامكة والأتراك والبريديين -الذين ساهموا في إضعافها حتى سقطت بعد أن امتدت سني حكمها من (132ه-656).
خلال تلك الفترة ظلت بلاد الشام قوية  شكلت سدا منيعا في وجه الإمبراطورية البيزنطية التي كانت تجاورها من الشمال بعاصمتها ( القسطنطينية) فكان قياصرتها يستغلون ضعف الخلافة العباسية لينقضوا عليها من جهة سوريا فيفاجأون بولاية قوية محصنة بولاة أقوياء أتقياء وجيش أقوى من جيوش القياصرة فيرتد القيصر وجنوده على أعقابهم خاسرين لا يلوون على شئء بل في كثير من الأحيان لا يستطيعون حماية ثغورهم إذ كان يهاجمهم المسلمون في عقر دارهم.


والحديث هنا يدور حول (سيفالدولةالحمداني)-ذاك الوالي الصنديد-الذي خاض ضد الروم معارك ضارية وانتصر عليهم وطاردهم وعاد منتصرا فلم يلبث أن يعود إلى الموصل في عهد أخيه ( ناصر الدولة) أميرأمراء  الخلافةحتى يعود لمطاردتهم مرة أخرى يفتح الحصون والقلاع ويسبي القرى ويحرق البساتين ثم رأيناه مرة أخرى في بغداد وفي ميدان اّخر فقد رأينا أن البريديينتقدموا وطاردوا الخليفة( المعتضد )وأمير أمرائه ففروا إلى الموصل واستنجدوا بالحمدانيين فاستجابوا له وبعث( ناصر الدولة) بأخيه سيف الدولة حيث تمكن من إيصال الخليفة إلى أخيه بالموصل فأكرمه بنو حمدان ثم عادوا معه بجيوشهم  وكان على رأسها سيف الدولة الذي خاض المعارك الضارية ضد البريديين حتى انتصر عليهم وأعاد الخليفة إلى دار الخلافة من جديد - هذا كله قبلأن يصبح واليا على حلب- ولا أريد أن أسرد تاريخ تلك الولاية  لأنه طويل وزاخر بالأحداث بل سأتعرض لشيءٍ من سيرة ليث لمع أكثر من غيره من ليوث بلاد الشام -من الولاة – الأشاوس ألا وهو سيف الدولة الحمداني ذاك النجم الساطع في سماء الأمة ،ولد في بيئة عسكرية وأسرة عريقة في الحرب والجود(303 -356ه) فنشأ شابا أديبا شجاعا طموحا، وسيف الدولة لقب لقبه إياه الخليفة العباسي حين وفد عليه مع أبيه عبد الله بن حمدان وأخيه الأكبر فوصل الخليفة الأب وأعطى ولديه لقبين فلقب الأكبر الحسن(ناصر الدولة) وولاه إمرة الأمراء لأول مرة يتولاها عربي فأخلص للخلافة وأبعد نفوذ المتربصين بالخلافة من العناصر الأخرى فكان ساعد الخليفة الأيمن. ثم لقب الخليفة أخيهالأصغر(سيف الدولة)......
استقرت له ولاية حلب سنة(336)-(356) وأصبح من أعظم ولاتها كان حريصا على الخلافة وحاميا لها من أعدائها حاز على رضا الخليفة (المقتفي) ثم الناس الذين أخذوا يدعون له في المساجد والطرقات فكان على الأولياء غيث وعلى الأعداء سيف ناصل إذا نقم مع قوم ملأ فجاج الأرض بجحافله وأخذ مسلكها عليهم بكتائبه وقبائله حتى إذا ضاق الخناق وضاقت عليهم الاّفاق ولم يجدوا منه مهربا لاذوا بعفوه وحلمه واستسلموا إليه واعتذروا فكان اعتذارهم عنده مقبولا فيعفو عن حلم وقدرة مقرونا بالبشر ولعل هذا ما دفع المتنبي إلى القول:          
كل عفوٍ أتى من غير اقتدار ====حيلة لاجيء إليها اللئام.                        
لم يكن  يشوبه تنكب ولا تقطيب أضاف على الصفح الجباء وإلى العفو جزيل العطاء يتكبر عن التكبر وتعلو همته وشرفه عن الخيلاء والتجبر ،يأمر عليه علو خطره وينهاه جلال قدره وتعففه عن الدنايا.            كان يخرج للغزو مرتين في العام في الربيع والصيف إلى بلاد الروم يحطم القلاع ويقتلع الحصون ويحتل المدن ويعود بالسبايا والغنائم أوقع الرعب في قلوب قادة الروم وجنودهم أسر الكثير من أمرائهم ورهبانهم والاّلاف من جنودهم وقد اسر في إحدى المعارك ( قسطنطين بن الدمستق (برجاس فوكاس)وحمّله سيف الدولة الإبريق إلى بيت الماء ( أي  لكي يصب الماء في دورة المياه)وكان أمرد فخرج فوجده قائما يبكي ولم يزل عهده حتى مات من علة اعتلها فاضطربرداس فوكاس بعد أسر وموت ابنه ( قسطنطين)لان يترهب ويدخل الدير نتيجة للهزائم المتوالية التي ألحقها به سيف الدولة بعد موقعة كبرى اندحر فيها جيشه الكبير العدد والعدة بالنسبة لجيش المسلمين وفي ترهُّبه يقول المتنبي:

فلو كان ينجي من عّلة ترُّهُبٌ======ترهبت الأملاك مثنى وموحدا

 ولحسن حظه كان عنده الشاعر العملاق أبي الطيب المتنبي الذي سجل في ديوانه الأحداث لحظة بلحظة لدرجة أن سيف الدولة كان يصطحبه معه في الغزو لان الشاعر في ذاك الزمان كان بمثابة وسيلة إعلام ،والغزوة التي لم يحضرها المتنبي لسبب ما كان يصفها له سيف الدولة الذي كان حريصا على التأريخ حتى يصل إلى الأجيال القادمة  لتأخذ منه الدروس والعبر ويكون حافزا لها- إذا ما كبى فرسانها يوما -.ثم ينظم فيها المتنبي قصيدة كأنه حاضر.

ومن أبرز تلك الوقائع معركة (الحدث) سنة (343ه) الموافق (954م) حيث انتصر فيها سيف الدولة على الروم فهدم قلعتهم ثم أعاد بناءها بعد أن فتحها وكانت الحدث مدينة حصينة في بلاد الروم لها  قلعة منيعة وكان الروم قد خربوها -فجاءها سيف الدولة لإعادة بنائها ولم يكن معه سوى (خمسمائة مقاتل)من حرسه الخاص وبعد يومين فقط دهمه ( فاجأه) الروم بجيش فيه خمسون ألفاً من الرّجالة والفرسان المقاتلين وفيهم البلغار والأرمن فتصدى لهم سيف الدولة بفرسانه الأبطال العرب المسلمين ودارت معركة طاحنة طوال ذلك اليوم من طلوع الشمس إلى غروبها واستبسل الأبطال وهم يرون قائدهم يشق الصفوف إلى الدمستق قائد الروم ليقتله فذهل مقاتلو الروم من شجاعة فرسان سيف الدولة وإقدامهم ففروا من أمامهم مخلفين ثلاثة اّلاف قتيل وعددا كبيرا من الأسرى من البطارقة والقادة ساقهم كقطيع من الغنم إلى حلب .ثم اضطر ملك الروم لعقد هدنة مع سيف الدولة(344 ه)وفي ذلك يقول المتنبي وقد ورد فرسان الثغور ومعهم رسول ملك الروم يطلب الهدنة(955م):                                                                          أراع كذا
كلَّ الأنام همامُ        وسَّح له رسل الملوك غَمامُ
ودانت له الدنيا فأصبح جالساً      وأيامها فيما يريد قيامُ
إذا زار سيف الدولة الرومَ غازياً     كفاها لمام لو كفاه لمامُ                    
وما تنفع الخيل الكرامُ ولا القنا     إذا لم يكن فوق الكرامِ كرامُ
كتائب جاؤوا خاضعين فأقدموا     ولم يكونوا خاضعين لخاموا


 وقد مدحه المتنبي في ذلك- وسمّى تلك  الموقعة بالحدثالحمراءلكثرة ما سال فيها من دماء- بالقصيدة المشهورة(علىقدر أهل العزم تأتيالعزائم) والتي منها هذه الأبيات من قصيدة طويلة(45) بيت:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم      وتــأتي علـى قــدر الكرام المكــارمُ
وتعظمُ في عين الصغير صغارها     وتصغرُ في عين العظــيم العظــائمُ
يكلف سيف الدولة الجيــش َهمّــه       وقد عجزت عنه الجيوش الخضارمُ
هل( الحدثالحمراء)تعرفُ لونها         وتعــلم أيُّ الســاقــييْنِ الغــماغــمُ
بنــاها فأعــلى والقــنا يقرع القـنا       ومــوج المــنايا حــولها مــتلاطــمُ
وكيف تُرجّي الروم والفرس هدمها      وذا الطــعنُ أساسٌ لــها ودعـــائمُ
تمــر بك الأبطالُ كــلمى هزــيمةً        ووجــهك وضّــاحٌ وثغــرك باسمُ
ضممت جناحيهم على القلب ضمةً      تمـوت الخـوافي تحــتها والقـوادمُ
ومــن طلــب الفتحَ الجــليلَ فإنـما        مفاتيحه البيضُ الخفافُ الصــوارمُ
نثــرتهـــمُ فــوق الأحــيْدب كــلهِ      كــما نـُثرت فـوق العروس الدراهمُُُ
ألا أيـها السيفُ الذي ليس مغمداً      ولا فــيه مرتــابٌ ولا مــنه عاصـمُ
هنيئاً لضربِ الهامِ والمجدِ والعلا      وراجــيــكَ والإســلامِ أنــك ســالمُ

توفي سيف الدولة رحمه الله رحمة واسعة يوم جمعة (356ه) الموافق (967)م في مرض الفالج ودفن في مسقط رأسه (ميا فارفين)ووصى بأن تدفن معه ( اللبنة من الطين) - التي كان قد جمع فيها غبار كل معركة خاضها ضد الأعداء لتشفع له عند الله تعالى يوم تزل الأقدام- وتوضع تحت رأسه في قبره فمات قرير العين راضيا بما قدم لله وللإسلام .

ترى ماذا سيضع حكامنا تحت رؤوسهم –هذه إن كانوايفكرون في زيارة القبورأصلاً؟ الجواب غبار الخزي والعار والشؤم والشنار ممزوجا بدم الأمة الذي سفكوه والمال الذي نهبوه وحنظل الهزائم الذي أزكمترائحته الأنوفو.....والقائمةتطول.((فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاةواتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا))

وأخيرا شتان بين الأمس المشرق حيث العزة والقوة والكرامة وبين الحاضر المؤلم حيث الذلة والهوان والمهانة .قال تعالىL((وتلك الأيام نداولها بين الناس))وقال تعالى L((قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعزمن تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيءٍ قدير))

اللهم ارحم اّخر هذه الأمة كما رحمت أولها وما ذلك عليك بعزيز.

 

 





إضافة تعليق

رمز الحماية
تغيير الرمز

اليوم

الإثنين, 22 نيسان/أبريل 2019  
17. شعبان 1440

الشعر والشعراء

يا من تعتبرون أنفسكم معتدلين..

  نقاشنا تسمونه جدالا أدلتنا تسمونها فلسفة انتقادنا تسمونه سفاهة نصحنا تسمونه حقدا فسادكم تسمونه تدرجا بنككم...

التتمة...

النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ الحـياءُ بــهمْ

نفائس الثمرات النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ الحـياءُ بــهمْ والسـعدُ لا شــكَّ تاراتٌ وهـبَّاتُ النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ...

التتمة...

إعلام ُ عارٍ

إعلام عار ٍ يحاكي وصمة العار      عار ٍ عن الصدق في نقل ٍ وإخبارِ ماسون يدعمه مالا وتوجيها         ...

التتمة...

إقرأ المزيد: الشعر

ثروات الأمة الإسلامية

روائع الإدارة في الحضارة الإسلامية

محمد شعبان أيوب إن من أكثر ما يدلُّ على رُقِيِّ الأُمَّة وتحضُّرِهَا تلك النظم والمؤسسات التي يتعايش بنوها من خلالها، فتَحْكُمهم وتنظِّم أمورهم ومعايشهم؛...

التتمة...

قرطبة مثلا

مقطع يوضح مدى التطور الذي وصلت اليه الدولة الاسلامية، حيث يشرح الدكتور راغب السرجاني كيف كان التقدم والازدهار في  قرطبة.

التتمة...

إقرأ المزيد: ثروات الأمة الإسلامية

إضاءات

JoomlaWatch Stats 1.2.9 by Matej Koval