الخميس, 09 آذار/مارس 2017 21:58
انتباه، فتح في نافذة جديدة. PDFطباعةأرسل إلى صديق

بسم الله الرحمن الرحيم

كيف يجب أن يكون المعلم في الإسلام؟!

 

نتج عن غزو الكفار الفكري لديار المسلمين أن تهدَّمت الأخلاق الإسلامية، وعمَّ الانحلال الأخلاقي باسم الحرية والديمقراطية وغير ذلك من الأسماء الرنانة التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، وهدفها إفساد الشباب وتوجيه وهدر طاقاته فيما لا ينفع. لذلك فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل فرد مسلم، كل حسب دوره وعمله واستطاعته ليساهم في نهضة أمته لترتفع إلى العلوّ وإلى قيادة العالم كما كانت. ومن أهم هذه الأدوار دور المعلّم، وريث دعوة الأنبياء، المربّي، وصانع جيل المستقبل، وصاحب التأثير الكبير في حياتنا وحياة أبنائنا وتوجهاتهم وسلوكهم وحتى ميولهم وتطلعاتهم، وحامل الأمانة العظيمة والتي إن حملها بما يرضي الله تعالى كانت له نوراً وإلا، كانت له ناراً، فما أشرفها من رسالة وما أعظمه من دور! أوليس رسولنا e هو المعلم الأول؟ يقول الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 151] ويعظّم الغزالي مهنة التعليم فيقول "من عَلِمَ وعَلَّمَ فهو الذي يُدعى عظيماً في ملكوت السماوات"... هذا الدور الذي عمل أعداء الإسلام بوسائل عديدة وخبيثة على سلبه منه لأهميته وتأثيره على أجيال كاملة في بناء شخصياتهم وميولهم على أساس العقيدة الإسلامية، ولإفراغ هذا الجيل وجعله مائعاً مسخاً كارها لتاريخ أمته، ظانًّا أن الإسلام سبب تخلف الأمة وضعفها وذلّها...

 

فيا أيها المعلم، هل سألت نفسك يوماً لِمَ أصبحت معلماً؟ لم اخترت هذا الطريق لحياتك؟ فمعرفة هذا بصدق وصراحة يحدد لك صفاتك وأسلوب تعاملك ونهجك في هذا الطريق. فلو نظرنا حولنا لوجدنا أطيافا من المعلمين:

 

فهذا معلّم ينظر للتعليم باعتباره الوظيفة الوحيدة المتاحة أمامه، لم يقصدها رغبةً ولا حرصًا، بل هي فقط مجرد وظيفة وسبب للتكسُّب والارتزاق، ولو كان يستطيع امتهان وظيفة أخرى غيرها تُحقّق له مكاسب أكبر أو مثلها دون تحمل مشاق التعليم لقصدها... ومعلم ثان يشكو دهره ويندب حظّه، بسبب أعباء التدريس المرهِقة وقلة الراتب مقارنة مع أقرانه الذين اختاروا أعمالاً أخرى غير التعليم... وثالث جلُّ همّه إكمال المقرَّرات والفراغ من تدريسها، ولا يربطها بالواقع والعقيدة والإيمان والأخلاق ويعمّقهم في طلابه وسلوكياتهم ومفاهيمهم، ولا يلتفت إلى ما يجري خارج قاعة الدرس رغم ما يراه من فساد دون أن يفكر حتى بإنكاره أمام طلابه، فهو فعليا منفصلٌ تماماً عن واقع طلابه ومجتمعه وأمته... ورابع وخامس وسادس من الصور السلبية التي تزدحم بها حياتنا التعليمية والتي كان لها الأثر السيئ والعميق في مؤسَّسات المجتمع المتنوعة. فأيّ تفوّق وإبداع وأي إخلاص يُرجى ممّن هذه هي حالهم وتطلعاتهم!!

 

إذن، ما هي صفات المعلم الذي يستحق أن ينطبق عليه حديث رسول الله e «إنَّ اللهَ ومَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَواتِ والأرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ في حِجْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ على مُعَلِمِي النَّاسِ الخَيْرَ» (رواه الترمذي)؟! ما هي صفات المعلم صاحب الرسالة التي تقارب رسالة الأنبياء ممن قال عنهم رسول الله e عن ابنِ مَسْعودِ رضيَ الله «لا حَسَدَ إلاَّ في اثنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاه اللهُ مَالاً فسَلَّطَهُ عَلى هَلَكتِهِ في الحَقَّ ورَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقضِي بِها ويُعَلِمُّها».

 

أول هذه الصفات هي تقوى الله والإخلاص له، فعلى المعلم أن يتحرّى بعلمه وإتقانه تعليمه وجه الله تعالى والدار الآخرة، وليس فقط الراتب والثناء من رؤسائه والشهرة والترقية وما شابه. عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله e«مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَة،ِ يَعْنِي رِيحَهَا». فعليه أن يقصد تعليم طلابه وتهذيبهم لما فيه خير الأمة والإسلام. يقول الإمام النووي "ويجب على الْمُعلِّم أن يقصد بتعليمه وجه الله لِما سبق، وألاَّ يجعله وسيلة إلى غرضٍ دنيوي، فيستحضر الْمُعلِّم في ذهنه كون التعليم آكد العبادات، ليكون ذلك حاثًا له على تصحيح النية، ومُحرِّضًا له على صيانته من مُكدِّراته ومن مكروهاته، مخافة فوات هذا الفضل العظيم والخير الجسيم". فبغياب الإخلاص والتقوى يحلّ الرياء والتكاسل والإهمال، فيخرج شباب ضحل الثقافة ضعيف العقيدة، غير واعين ولا مدركين قضايا أمتهم، مشكلين عبئا عليها بدل أن يكونوا مِعولا في بناء نهضتها. فمفهوم أن المعلم سيأخذ الراتب في نهاية الشهر سواء أخلص لله أم لم يخلص، لهي ضربة قاصمة في صميم التربية والتعليم، فأين الإخلاص؟ وأين الله وتقواه؟ وطبعا يجب على المعلم أن يكون متمكّنا من المادة العلمية التي يدرسها، حاذقا لأساليب توصيله العلم لطلابه.

 

ومن أهم صفات المعلم الصبر والحلم وطول البال، فعلى المعلم المربّي الذي يريد إخراج جيلٍ يتبع منهاج وعقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله أن يكون صبورا حليما حتى يستطيع التحمل، فخُلق الصَّبر والتحمُّل له الأجر العظيم من الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾، وكان عليه الصلاة والسلام يأمر بالصبر حتى في أعسر المواقف. وإن طول البال وسعة الصدر ضرورية ومهمة خصوصا كلما تذكر المعلم أن أجره محفوظ عند الله وأن هؤلاء النشء أمانة في عنقه. وعليه أن يدرك أن الطلاب لهم قدرات مختلفة وذوو أمزجة مختلفة، وذوو حاجات ومصالح ومشاكل وهموم مختلفة، فهو لهم معلم ومربٍّ وأب ينبغي أن يتَّسع قلبه لهم، ويرفق بهم ويرحمهم، ويعطف عليهم، ويصبر على معاناة تعليمهم وتوضيح الأفكار لهم بمختلف قدراتهم وحاجاتهم ونفسياتهم وعقولهم، فمنهم من يفهم العبارة والدرس من أول شرحٍ لها، ومنهم من يحتاج إلى إعادة وتكرار وشرح وتفصيل. ورسولنا e يقول: «إن الله لم يبعثنِ معنّتاً ولا متعنّتاً ولكن بعثني معلماً وميسراً».

 

لكن نرى بعض المعلمين هداهم الله لا يملكون من الصبر والرحمة شيئاً، فمجرد أن يُغضبه الطالب أو لا يفهم أمرا أو يسأل عنه تراه يغضب ويثور بدل أن يحلم ويصبر ويتحمل. وقد يحصل أحياناً أن يتعرض لتصرفاتٍ أو كلامٍ به أذى من بعض الطلاب أو شيء من هذا القبيل فلا بد أيضا أن يتحمل ويصبر ويحتسب، ويمتص غضبهم واستفساراتهم وحتى ضجرهم أحيانا، ونذكر حين دخل معاوية بن الحكم رضي الله عنه في الصلاة مع الجماعة ولم يعلم أن الكلام قد حُرّم في الصلاة، فعطس أحد الصحابة فشمته، فنبهه بعض الصحابة بالإشارة فلم يفهم واستمر في كلامه، فلما انتهت الصلاة ناداه رسول الله ﷺ فأتى إليه خائفا، فقال له رسول الله e بكل لطف ولين: «أن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتحميد وقراءة القرآن»، فقال معاوية معلقا على فعل رسول الله ﷺ: بأبي هو وأمي، ما رأيت أحسن تعليما ولا أرفق منه e. فهذا الصبر والرفق من رسول الله e القدوة والمعلّم وما يصدر عنه من أقوال وأفعال وتصرفات كلها تعليم.

 

وكذلك من الصفات التي يجب أن يتحلى بها المعلم الصدق والوفاء بالوعد فيما يدعو الله إليه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، فإذا وعد المعلم الطلاب بوعد معين فلا بد أن يفي بما وعد أو أن يعتذر لهم حتى يكون صادقاً أمامهم فيما يطلب منهم أن يفعلوا أو فيما يطلب منهم أن يتركوا ونحو ذلك. وكذلك عليه أن يكون متخلّقا بخلق التواضع، روى ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" عن عمر بن الخطاب t أنه قال: "تعلَّموا العلم، وعلِّموه للناس، وتعلَّموا له الوقار والسكينة، وتواضعوا لمن تعلَّمتم منه، ولمن علَّمتموه، ولا تكونوا جبابرة العلماء، فلا يقوم جهلكم بعلمكم". وهو مُعلِّم ومتعلم في الوقت نفسه، فلا عجب ولا غرابة أن يستفيد الْمُعلِّم من طلابه في بعض مسائل العلم، بل أن يتراجع عن خطأٍ له وقع فيه، أو يقول لهم: "لا أدري"، و"الله أعلم" فيما خفي عليه ولم يعرفه، فهذا يجعله كبيراً في نفوسهم، ويتعلَّمون منه التواضع، وعدم الجرأة على الفتيا بغير علم.

 

نعلم أن الإسلام دين عدل ومساواة يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، فليس في الإسلام طبقية، ولا يُكرم الغني لغناه ولا يُذَلُّ الفقير لفقره. والطلاب هم رعية والمسئول الأول عنها هو الْمُعلِّم عملاً بحديث رسول الله e«كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته»، فهم سواسية فلا يفاضل في معاملتهم حسب مكانة أهلهم أو حسبهم أو نسبهم أو مالهم... والعدل في المعاملة لم تكن تغيب عن علمائنا الأوائل، فتوارثوا توصية المعلم به، وتحذيره من خلافه. رُوي عن مجاهد بن جبر التابعي الكبير وتلميذ عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: "معلم الصبيان إذ لم يعدل بينهم جاء يوم القيامة مع الظَّلَمة"، وقال ابن سحنون في "ما جاء في العدل بين الصبيان"، "وليجعلهم بالسواء في التعليم، الشريف والوضيع، وإلا كان خائنًا". وليس مثلما نرى في معاملة البعض اليوم لطلابهم يفرقون بين الطلاب، فيتجاوزون عن خطأ وفساد بعض الطلاب ممن أهلهم في موقع السلطة أو الغنى ويعطونهم حقا ليس لهم وعلى حساب غيرهم ممن يستحقونه. بينما في الإسلام حرص الخلفاء أن يعامل المعلمون أبناءهم كما يعاملون غيرهم، فها هو الخليفة هارون الرشيد في الوصية التي أرسلها إلى الكسائي مؤدب ابنه ومن ضمن ما جاء فيها: "... وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورفع مجالس القوّاد إذا حضروا مجلسه، وقوِّمه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أبى فعليك بالشدة والغلظة".

 

إن المعلم الجادّ المخلص لا تقف مهمّته ودوره عند حدّ ما يُقدّمه في الصف، بل دوره الأهم هو قوة تأثيره في طلابه ومجتمعه، في قول الحق والوقوف معه، ولننظر في تاريخ معلمينا وعلمائنا وأئمتنا الذين حملوا العلم وعلّموه عقيدة وعلماً وعملاً ومنهجاً ودعوة، فها هو الإمام أحمد المعلم والذي ضرب أروع الأمثلة في الثبات على المبدأ والصبر أمام الفتن، لقد أوذي وسجن، وضرب وأهين، فلم تلِن له قناة، ولم يتزحزح عن حقٍ يراه ولو كلفه حياته، وهذه دروسٌ للعلماء والمعلمين والدعاة في كل زمانٍ ومكان. وها هي العالمة المعلّمة أم الدرداء الصغرى والتي كان يستدعيها عبد الملك بن مروان لتعلم نساءه، سمعته في مرة يلعن خادمه لأنه أبطأ عليه في أمر، فقالت له: سمعت أبا الدرداء يقول، سمعت رسول الله e يقول: «لا يكون اللّعانون شفعاء ولا شهداء، يوم القيامة»، قالت ذلك له ولم تخش في الحق لومة لائم ولم يمنعها كونه الخليفة من قول الحق، ولم تقل ليس لي علاقة بالأمر أو ليس هذا من شأني مثلما يفعل عدد من علماء ومعلمي هذا الزمان، ولم تقف موقف المتفرج غير العامِل مثل المعلمين الذين يقفون موقفا سلبيا مما يرونه الآن من تغريب في سياسة التعليم وتغيير في المناهج، فحتى لو كانوا لا يستطيعون التغيير في نُظم التعليم والمناهج - تلك السموم التي يضعونها لأبنائنا وبناتنا بين طيات الكتب ودفّاته - إلا أنَّ ذلك لا يعفيهم من واجبهم في إنكارها وتخفيف أضرارها بإعطاء الفكرة الصحيحة التي تنقضها من أساسها فهذا واجبهم كمربين مسلمين، خاصة ونحن نعيش النظام الرأسمالي بكل ما يحمله من مفاهيم بعيدة عن أحكام الإسلام عاملين فيه على هدم العقيدة الإسلامية ونشر الفساد والعلمانية والحريات والديمقراطية وغيرها من المفاهيم الرأسمالية العفنة في نفوس أبنائنا، فيجب عليهم إظهار هذا الفساد ومحاربة تلك الأفكار وتبيان زيفها وخطرها. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "ليس العلم بكثرة الحديث ولكن العلم بالخشية". فعليهم تعليمهم أسلوب التفكير الإسلامي الصحيح وعدم الرضا بما لا يُرضي الشرع، والصدع بالحق وعدم المداهنة والنفاق فيه... أن يزرعوا في نفوسهم أن الأجل والرزق بيد الله وحده فلا يخافون في الله لومة لائم، ولا يتعلمون الخوف والجبن...

 

ولكن للأسف وفي ظل الأنظمة الفاسدة التي تتحكم بالتعليم وبالمعلمين فإنها تحرص يوما بعد يوم على تعيين معلمين علمانيّي الفكر، يعتبرون الحضارة الغربية ومفاهيمها مثلهم الأعلى، وأن المنفعة والمصلحة أساس العلاقات، فتراهم مخلصين لتلك السياسة في التعليم والمناهج ويعطونها كما يريد واضعوها، بل ومن المعلمين من يكون على رأي القائلين ملكيا أكثر من الملكيين ويجاهد في إدخال هذه الأفكار في عقول طلبته بكل الطرق والوسائل في ذلك وكأنه سيأخذ نيشاناً منهم على إخلاصه في ذلك، ناسياً أو متناسياً خطورة هذا الأمر وعقابه عند رب العباد، حيث إنه لم يكتفِ بعدم إظهار ذلك الفساد بل وأيضاً يشجع عليه بتشجيعه تلك المناهج والأفكار المسمومة... ولا يقوم بدوره الحقيقي في الصدع بالحق.

 

وإن من أهم الأدوار التي يقوم بها الْمُعلِّم هو بناء شخصيات طلابه، أولئك الذين ينظرون إليه على أنه مثلهم الأعلى... ولهذا على المعلم أن يكون قدوة صالحة لطلابه، فإن القدوة الصالحة تُعتبر من أنجح الوسائل المؤثّرة في تكوين شخصية المتعلّم... قدوة في جوهره ومظهره، في شخصيته وقوة تأثيره، في أخلاقه وأدبه، فها هي أم الإمام مالك توصي ابنها بأن يطلب الأدب من معلمه قبل أن يأخذ العلم منه لما للأدب من أهمية على طالب العلم في سلوكه مع نفسه ومع ربه ومع الناس... فإنه لما طلب العلم وذكر لأمه أنه يريد أن يذهب فيكتب العلم، ألبسته أحسن الثياب، وعمَّمَته، ثم قالت: اذهب فاكتب الآن. وقال رحمه الله: كانت أمي تعمّمني وتقول لي "اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه". فالمعلم الذي يتحدّث لطلابه عن أضرار التدخين مثلا، والسيجارة في يده!.. أو الذي يحثّ طلابه على الصدق والالتزام بالمواعيد وأهمية الوفاء بها، ثم يكذب أو يحضر إلى الصف متأخرًا، أو يعد بما لا ينفّذ، أو يسكت ويجبن وينافق في موقف يتطلب الجرأة في الحق، فإنه يمحو بتصرف واحد عشرات الأقوال التي يصبُّها في آذانهم...

 

إذن، المعـلم ليس خازنا للعلم يغترف منه التلاميذ المعارف والمعلومات، ولكنه نموذج وقدوة... والقدوة عامل مهم في صلاح المتعلم أو فساده، فإن كان المربي صادقاً أمينًا كريماً شجاعًا عفيفاً يتَّسم بالخُلق الصالح نشأ المتعلّم على الصدق والأمانة والخُلق والكرم والشجاعة والعفة... وإن كان المربِّي كاذباً خائناً منافقاً جباناً نذلاً، نشأ المتعلّم على هذه الصفات والأخلاق. فمقام المعلم وموقعه ودوره جدُّ خطير، فلينظر كل معلم كم يُصلح من الناس وكم يُفسد! كم يؤثر إيجاباً وكم يؤثر سلباً! فالتعليم بالقدوة أعظم تأثيراً وأقوى حُجة من الكلام النظريّ المجرد، فكيف إذا كان الفعل يُخالف القول والسلوك يعاكس التوجيه؟!... وقد نعى القرآن الكريم على بني إسرائيل ذلك في قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44].

 

نخلص من هذا أن للمعلم دوراً ومكانة عالية مهمّة... ولا يجب أن يكون بمعزلٍ عن الأمة والمجتمع، بل يجب أن يكون له كما قلنا سابقا تأثير، فهو عالم عامل، قارئ مجاهد، آمرٌ بالمعروف ناهٍ عن المنكر، صادع بالحق... وسأذكر هنا قصة عن امرأة عالمة معلمة لنرى منها قوة تأثير العالم المعلّم حتى على الحكام، يُحترم ويُهاب جانبه، وهي قصة للسيدة نفيسة بنت الحسن التي كان لها أثر علمي في فقه عالمين كبيرين من أئمة المسلمين، وهما الشافعي وأحمد بن حنبل، ففي أحد الأيام وهي في مصر حيث عاشت، حدث أن قبض أعوان أحد الأمراء على رجل من العامة ليعذبوه. فبينما هو سائر معهم، مرّ بدار السيدة نفيسة فصاح مستجيراً بها. فدعت له بالخلاص قائلة: "حجب الله عنك أبصار الظالمين". ولما وصلوا بالرجل بين يدي الأمير، قالوا له: إنه مرّ بالسيدة نفيسة فاستجار بها وسألها الدعاء فدعت له بخلاصه، فقال الأمير: "أوَبلغ من ظلمي هذا يا رب، إني تائب إليك وأستغفرك". وصرف الأمير الرجل، ثم جمع ماله وتصدق ببعضه على الفقراء والمساكين.

 

وقيل أنه لما ظلم أحمد بن طولون، استغاث الناس من ظلمه، وتوجهوا إلى السيدة نفيسة يشكونه إليها. فقالت لهم: متى يركب؟ قالوا: في غد. فكتبت رقعة ووقفت بها في طريقه، وقالت: يا أحمد بن طولون. فلما رآها عرفها فترجّل عن فرسه، وأخذ منها الرقعة وقرأ ما فيها: "ملكتم فأسرتم، وقدرتم فقهرتم، وخُوّلتم ففسقتم، وردت إليكم الأرزاق فقطعتم، هذا وقد علمتم أن سهام الأسحار نفاذة غير مخطئة لا سيّما من قلوب أوجعتموها، وأكباد جوعتموها، وأجساد عريتموها، فمحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم، اعملوا ما شئتم فإنَّا إلى الله متظلمون، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون"! يقول القرماني: فعدل من بعدها ابن طولون لوقته! فرفع المظالم عن الناس... وهذا ما يجب أن يعرفه الجميع، أن المعلم له تأثير ودور وهيبة ومكانة ضاعت مثلما ضاع الكثير عندما ضاعت هيبة الإسلام بعد هدم دولته، ولن تعود إلا بعودتها وعودة الإسلام عزيزا مُهابا كما كان، وما ذلك على الله بعزيز...

 

وأختم بهذه الوصية التي قالها علي رضي الله عنه لكميل بن زياد النخعي الذي قال: "أخذ علي بن أبي طالب بيدي فأخرجني إلى ناحية الجُبَّان، فلما أصحرنا - أي نزلنا إلى الصحراء - جلس ثم تنفس ثم قال يا كُميل بن زياد، القُلُوبُ أوعيةٌ؛ فَخَيْرُها أوْعاها، احْفَظْ ما أقولُ لَكَ، النَّاسُ ثلاثةٌ: فَعالِمٌ رَبَّانِيٌّ، ومُتَعَلِّمٌ عَلى سَبيلِ نَجَاةٍ، وهَمَجٌ رَعاعٌ، أتْباعُ كلِّ ناعِقٍ، يَميلونَ مَع كُلِّ رِيحٍ، لَم يَسْتَضِيئوا بِنُور العَلمِ ولم يَلجَأوا إلى رُكنٍ وَثِـيقٍ. العِلمُ خَيرٌ من المالِ، العِلْمُ يَحْرُسُكَ وأنْتَ تَحرُسُ المالَ، العلمُ يَزُكو على العَمَلِ، والمال تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، العلمُ حَاكِمٌ، والمال مَحكُومُ عَلَيْه، وصَنيعَةُ المالِ تَزُولُ بِزَوَالِهِ، ومَحَبَّةُ العالم دِيْنٌ يُدانُ بها. مَاتَ خُزَّانُ الأَموالِ وَهمُ أَحْيَاءٌ، والعلماءُ بَاقُونَ مَا بَقِي الدَّهْرُ، أَعْيَانهم مَفْقُودَةٌ، وَأَمْثَالُهُم في القُلُوبِ مَوجُودَةٌ"...

 

اللهم أعزّنا بالإسلام وأعزّ الإسلام بنا...

 

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مسلمة الشامي (أم صهيب)

- See more at: http://www.hizb-ut-tahrir.info/ar/index.php/sporadic-sections/articles/cultural/42506.html#sthash.r4FPUE66.dpuf

 
الخميس, 02 آذار/مارس 2017 12:23
انتباه، فتح في نافذة جديدة. PDFطباعةأرسل إلى صديق

  بيان صحفي  

الجمع بين العلمانية والإسلام جهد عقيم عاقبته خيبة الأمل

  (مترجم)  

سُئل الرئيس أردوغان في مقابلة مع قناة العربية السعودية سؤالاً مفاده: "أنت تجمع بين الإسلام والعلمانية بشكل جيد، ما هي نصيحتك للعالم العربي فيما يتعلق بذلك؟" وقد أجاب على ذلك قائلا: "أنا أجد صعوبة في فهم سبب تفسير العالم الإسلامي في الربط بين الإسلام والعلمانية، نحن قمنا بتأسيس حزبنا وقمنا بتعريف للعلمانية، وقد عبرت عن ذلك عندما قمت بزيارة مصر بعد تولي مرسي الحكم، وحضرت في مبنى الأوبرا في القاهرة، وقد تحدثت عن الإسلام وعلاقته وصِلته عفواً بالإرهاب... كيف نصف الإرهاب؟ أولاً الأفراد لا يمكن أن يكونوا علمانيين، الدولة تكون علمانية هذه نقطة مهمة"، وأجاب عن سؤال "هل فعلا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يحلم بعودة الخلافة في ثوب العصر الجديد؟" بقوله "الآن كما تعلمون أن تركيا قادمة على انتخابات، وهذه الانتخابات ستكون حول التصويت على نظام الرئاسة في تركيا، وبالتالي هذا النظام لا يضم إطلاقاً ما ذكرتموه. تركيا لا تريد أن تصبح خلافة إطلاقاً".  

هذه التصريحات المشؤومة والخطيرة لا تقدم شيئا إلا تشويش عقول المسلمين وتحقيق حقيقة عبارة، "إذا لم تعش كما تؤمن، ستؤمن كما تعيش"!!  

يا أردوغان! ليست العلمانية مفهوماً تُعرفه بكلمات زائفة مثل "الأفراد لا يمكن أن يكونوا علمانيين، الدولة تكون علمانية" لأن العالم كله يعرف ما هي العلمانية. وأن تحوم حول المشكلة دون التعرض لجوهرها يعني أنك تحاول إخفاء هذا السم عن المسلمين وبأنك تحاول النجاح فيما فشل فيه حزب الشعب الجمهوري، وهو حمل الناس على اعتناق العلمانية.

وستذهب جهودك سدى! فالمسلمون يعرفون تماماً ما هي العلمانية. العلمانية تفصل الدين عن الدولة والمجتمع والحياة. العلمانية تتنصل من كون الله هو المهيمن وتتمرد عليه. الحقيقة هي أنها تتنصل من أوامر الإسلام وأحكامه، التي أوجب الله سبحانه وتعالى تطبيقها من قبل الدولة.

  يا أردوغان! لذلك ووفقاً لما تقول فإن لله تعالى - حاشا وكلا - أن يتدخل في شؤون الفرد لكن ليس في شؤون الدولة، أليس كذلك؟! ووفقاً لما تقول فقد حكم رسول الله e - حاشا وكلا - الدولة الإسلامية الأولى في المدينة بالعلمانية؟ من أجل جعل العلمانية أمراً حاضرا، لا بد من فصل عقيدة الرأسمالية عن الإسلام، ولا بد من إقصاء أحدهما إما الإسلام أو العلمانية. أم أنك تتحدث بهذه الطريقة لتتزلف للغرب والكماليين كونك تحسب حساباً للاستفتاء القادم، كما هو حالك قبيل كل انتخابات؟ إن لم تكن هذه هي القضية، فإن الأصل فيك أن تكون معنياً ومهتماً بالخلافة؛ نظام الحكم في الإسلام عوضاً عن الديمقراطية، التي حُملت لنا من الغرب وفُرضت على هذا الشعب فرضاً من قبل حزب الشعب الجمهوري.

إن الخلافة ليست مجرد فنتازيا في مسلسل تلفزيوني. على العكس تماما، إنها واقع لا يمكن إنكاره في تاريخنا المجيد، إنها فريضة في الإسلام، ووعد من الله عز وجل، هي الدرع الحامي لأمة الإسلام. لذلك، فإن كونك سليل العثمانيين يحتم عليك ألا تدافع عن فرض الديمقراطية العلمانية الغربية وفي المقابل تدمير الخلافة، بل إن ذلك يحتم عليك الدفاع عن الخلافة والإسلام والاهتمام بتطبيقهما.  

أيها المسلمون، أيها العلماء! إن العلمانية عقيدة الرأسمالية تناقض عقيدة الإسلام (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) تناقضا تامّا، مثلما تتناقض الديمقراطية مع الخلافة. أنتم تعلمون بأن العلمانية والإسلام على طرفي نقيض؛ لذلك، لماذا السكوت عن قول الحقيقة؟ لماذا لا تصرخون عاليا بأن العلمانية هي اللادينية؟ لماذا لا ترفعون الصوت لإنكار ما يقوله الحاكم الذي يسعى لتحقيق ما لم يستطع حزب الشعب الجمهوري تحقيقه بالحديد والنار مستخدما عذب الكلام وعبارات البطولة؟ لماذا لا تحاسبون قادتكم على ما يقولون، وتكشفون الحقيقة؟ ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾  

  المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية تركيا - See more at: http://www.hizb-ut-tahrir.info/ar/index.php/pressreleases/turkey/42416.html#sthash.E2QDJZfY.dpuf

 
الخميس, 02 آذار/مارس 2017 12:10
انتباه، فتح في نافذة جديدة. PDFطباعةأرسل إلى صديق

  بيان صحفي

  عزل الأئمة عن منابر الجمعة هو حرب على دين الله .. إرضاء لأمريكا!  

حملت صحف الأحد والاثنين 26-27/2/2017م أنباء إيقاف المجلس الأعلى للدعوة بولاية الخرطوم، إمامي المسجد الكبير بوسط الخرطوم؛ الشيخين الفاضلين، (كمال رزق)، و(إسماعيل الحكيم)؛ حيث جاء قرار إيقافهما شفاهة، عبر المدير التنفيذي للمسجد، دون مكتوب رسمي، وقد ذكر الشيخ (كمال رزق) لصحيفة آخر لحظة الأحد 26/2/2017م (أنه يخطب في المسجد منذ (23) سنة، ولم يستبعد أن يكون سبب الاستغناء عنهم هو منهج الخطبة، غير المرحب به من بعض الجهات).

وقد قال الشيخ/ إسماعيل الحكيم، في إجابته عن سؤال صحيفة الصيحة الصادرة الاثنين 27/2/2017م، عما إذا كانت هناك جهة في الدولة قد ضاقت ذرعاً بالنقد الذي يوجهونه من على المنبر، خلال الخطبة، جاء رده: (أنه يخشى أن تكون عملية الإيقاف هذه مرتبطة بسياسات ودعاوى لتكميم الأفواه، وكانت البداية بهذا المنبر، مضيفاً أنه لا يرى أي جديد في الخطب التي يلقونها ويستدعي إيقافهم، وهي ذات الموضوعات التي ظلوا يتناولونها على مدى السنوات السابقة).  

من الواضح أن الحكومة في السودان، تمضي بخطى حثيثة، في مشروع أمريكا لعلمنة السودان، وإقصاء الإسلام، وإسكات الألسن المخلصة، الصادعة به. فعزل الأئمة عن منابر الجمعة هو حرب على دين الله؛ إرضاءً لأمريكا؛ ففي شهر آب/أغسطس 2016م قرر وزير الإرشاد، عمار ميرغني، حظر حلقات الوعظ والحديث الديني في الأسواق، والأماكن العامة، ثم قال: (إن هناك قرارات كبيرة قادمة لتوجيه الدعوة في البلاد الوجهة السليمة)، وفي حوار معه يوم ١٨/٨/٢٠١٦م قال: (يجب أن يكون الخطاب الدعوي على قدر فهم المُصلين، لا يُمكن أن يتحدّث خطيب المسجد لعامة عن الحاكمية)، ويقول (لا بد من أن نعيد صياغة الخطاب الديني)، وهو الوزير الذي حذَّر في برنامج «مؤتمر إذاعي» يوم 22/4/2016م أئمة المساجد من الهجوم على الوزراء والمسؤولين في خطبة الجمعة. وقد أقامت وزارة الإرشاد في السودان بتاريخ 28/4/2016م مؤتمراً للتطرف والإرهاب، على نسق مؤتمر واشنطن لمكافحة التطرف، الذي عُقد بوزارة الخارجية الأمريكية بتاريخ 17-19/2/2015م، ليكون الإسلام هو المتهم، لتوضع الخطط والمؤامرات للحد منه، ووصمه، والعاملين لتحكيمه، بالإرهاب والتطرف، وقد قال وكيل وزارة الخارجية السودانية، لمبعوث الرئيس الأمريكي للحريات الدينية في لقاء معه: "السودان دولة ليست لها دين" (صحيفة اليوم التالي 05/08/2015م).  

فالواقع الذي تريده أمريكا، وينفذه حكام السودان، هو أن لا يكون للإسلام دورٌ في السياسة، والحياة العامة، وأن لا يطالب الناس بتطبيق الشريعة الإسلامية، وأن لا يحاسب الحكام على أساس الإسلام، كما يجب، وإنما يريدون حصر الإسلام وقصره على العبادات، والأمور الفردية، أي يريدونه ديناً كهنوتياً لا علاقة له بحياة الناس، واستمرار تنحية الشريعة، وتطبيق القوانين الوضعية، بعد أن اتخذوا الإسلام شعارات، لدغدغة مشاعر الأمة، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. كل ذلك سعيا منهم لإرضاء أمريكا، ولهثاً وراء التطبيع، وطمعاً في رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.   إن مكر أمريكا بالإسلام والمسلمين، والذي ينفذه حكام السودان، مآله إلى بوار، بإذن الله، وإن العصر، لا شك، هو عصر الإسلام ودولته؛ دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، رغم كيد الكائدين. وعندها سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

  إبراهيم عثمان (أبو خليل) الناطق الرسمي لحزب التحرير في ولاية السودان  

- See more at: http://www.hizb-ut-tahrir.info/ar/index.php/pressreleases/sudan/42466.html#sthash.QSMY3PZX.dpuf

 
الجمعة, 17 شباط/فبراير 2017 14:56
انتباه، فتح في نافذة جديدة. PDFطباعةأرسل إلى صديق
 
 
 
#Khilafah_Education

علمنة المناهج في بلاد الإسلام

"كالعُرُّ يكمن حيناً ثم ينتشرُ"

عاشت منطقة العالم العربي خلال الفترة الأخيرة حملة قوية على المناهج التعليمية في بلدان عديدة من مثل تونس والأردن وفلسطين والمغرب والجزائر، بدعوى خدمة التطور العلمي ومواكبة التسارع المعرفي، وممّا لا شك فيه أن مناهجنا التعليمية في حاجة ماسة للتحسين والتطوير، بل للتغيير الجذري الذي يؤسس لرؤية تعليمية وتربوية جديدة ويخلق ثورة علمية متقدمة تساهم في بناء شخصيات مفكرة ومبدعة وتتميز بالسًبَق المعرفي وتفتح الأبواب أمام الطاقات والقدرات التي تخدم هذا التطور.

لكن الخطير في الأمر أن هذه التغييرات تهدف أساسا إلى علمنة المناهج التعليمية والقطع مع العقيدة الإسلامية، في سياق الحرب على (الإرهاب والتطرف)، فقضية المناهج في منطقتنا العربية والإسلامية ليست شأنا داخليّا يرتبه العلماء والمفكرون ويديره أصحاب الاختصاص، وإنما هي ذات شأن عالمي تخضع لإشراف دول العالم الغربي التي تتخذ طرقا مختلفة لعلمنته، كمؤتمرات "حوار الأديان" التي توصي عادة بتغيير المناهج في البلدان الإسلامية لإتاحة المجال أمام تقارب الأديان، أو اشتراط الجهات الدولية المانحة كصندوق النقد والبنك الدوليين بفرض بعض المقرّرات التعليمية واستبعاد أخرى، مقابل تمديد المنح والقروض وإسقاط بعض الديون على البلدان المعنية، أو مفاوضات ومباحثات الشراكة الأورو متوسطية التي تلزم فيها أوروبا الدول الأخرى بتغيير المناهج مقابل المنح والشراكة ونحوها، وكذلك الندوات والمؤتمرات الدولية التي تنظمها جهات دولية مختلفة، كمنظمات الأونروا واليونسكو واليونيسيف التي تحاول دمج القيم العالمية "العولمة" في مناهج التعليم وترسيخ الأفكار الداعية للنظام العالمي الجديد، وتشتغل في ذلك على مشروعين: أحدهما يهتم بمنطقة الشرق الأوسط والثاني بدول حوض البحر المتوسط.

والملاحظ أن مطالب التغيير التي تفرضها الدول الكبرى تخضع لتغيرّات الأحداث السياسية عبر العالم، ومرتبطة أساسا بالموقف الدولي من الإسلام، فكلما زاد الوعي السياسي على أساس الإسلام في الأمة، يزداد التضييق على المناهج التربوية وتتصاعد حملة التوصيات الدولية بضرورة تعديلها والنص على عدم معاداة الغرب، وعدم التحريض على الجهاد، والدعوة إلى السلم، والتطبيع مع كيان يهود ونشر ثقافة التسامح وقبول الآخر والعيش المشترك، وكله يخدم مشروع (مكافحة الإرهاب والتطرف) كما حصل في العراق بعد الغزو الأمريكي وكذلك في أفغانستان حيث كان العمل على تبديل المناهج ضمن الحرب على الإسلام للتخلص من فكرة الجهاد ضد أمريكا، أو التغييرات التي طرأت على المناهج في السعودية بعد أحداث أيلول حيث تم حذف محور الولاء والبراء كاملا من مقرر التوحيد، أو تلك التي شهدتها الدار البيضاء إبان التفجيرات في المغرب حتى وصلت الدعوات إلى حذف كلمة الجهاد من كل الكتب المدرسية. وكذا في الإمارات والكويت واليمن حيث صرح رئيس وزرائها "علينا تنفيذ التغيير في مناهج تعليمنا قبل أن تأتينا مترجمة من أمريكا، فنحن شعب مسلم ولا ضرر من تخفيف الجرعة الدينية"!

والناظر في عدوى التعديلات الأخيرة أو كما وصف الشاعر الأخطل "العُرّ" يعني الجَرب، يُدرك أنها جاءت إثر الحراك الشعبي في بلدان الثورات العربية وبلاد الشام، حيث ارتفعت الأصوات بتطبيق الإسلام كاملا وطرد الاستعمار، ممّا استدعى وجوب التصدي لهذا المدّ الإسلامي الذي يُعتبر التهديد الحقيقي للغرب وحضارته، فأخذت الأردن المبادرة في التعديل حتى طال لحية الرجل وخمار المرأة ولباسها في صور كتاب القراءة، وتم حذف درس كامل حول سورة الليل، واستبدل به درس آخر حول السباحة، كما تم استبدال درس العدد في القرآن الكريم ووضع مكانه درس الحمامة الصغيرة، في الوقت ذاته تم إلغاء حفظ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة في بعض الدروس. ونموذج آخر لدرس عن ابن بطوطة، حيث تم حذف الجملة التي تحدثت عنه، من حيث إنه تعلَّم القرآن والشعر منذ الصغر. وكذا كان الأمر في فلسطين فقد تم حذف الكثير من الآيات القرآنية التي تحث على قتال يهود والأحاديث النبوية التي تدعو للجهاد وقتال الكفار، أما في الجزائر فقد أثارت تعديلات وزيرة التربية "بن غبريط" جدلا واسعا، هذه الوزيرة ذات التوجه الفرانكفوني العميق، اقترحت وزارتها في مطلع هذا العام إدراج اللهجة العامية الجزائرية في المراحل الابتدائية من التعليم بدل اللغة العربية الفصحى، إضافة إلى ما تداولته وسائل الإعلام المحلية بشأن لجوء دائرتها الوزارية إلى الخبراء الفرنسيين من أجل الإصلاحات المطروحة. كما تم وضع اسم (إسرائيل) بدل فلسطين على خارطة كتب الجغرافيا للصف الأول من المرحلة الإعدادية وقررت الوزارة سحبه إثر الضجة التي أثيرت من حوله بحجة أن الخطأ كان مطبعيا! أما في تونس فقد استعرض وزير التربية مؤخرا استراتيجيته في الإصلاح التربوي واقترح تخفيف المواد العلمية كالرياضيات والفيزياء لإعطاء المساحة الكافية لتعلم الموسيقى والرقص في المدارس والمعاهد المختلطة حتى يشعر التلميذ بالسعادة كما أن كتب القراءة الموجهة للصفوف الأولى تحمل نصوصا وصورا خادشة للحياء مما أثار موجة استياء من أولياء الأمور.

فالناظر للتعديلات المتزامنة مع بعضها في البلدان العربية يدرك أن الغاية من عملية "الإصلاح التربوي" الذي يزعمونه ليس من أجل تطوير المناهج وتحسين المستوى الفكري ومنه العلمي للطالب، وإنما هي عملية تغيير جوهري للمفاهيم التي تُبنى عليها المناهج والتي تقتضي استهداف الدين والقيم والتاريخ والشرع، وهذا ما يعني طمس الهوية الإسلامية بالكامل، فالمشكلة إذاً ليست في تبديل بعض المصطلحات التي تجلب الحساسيات أو تستفز أتباع الشرائع الأخرى، بل العلمنة الشاملة لبرامج التعليم حتى تُدمّر الأجيال، فكريا وحضاريا ومعرفيّا، فلا هي نافعة في الدين ولا هي نافعة في العلم.

ولا يعني وصفنا للمناهج بالتغيير أن الأصل سالم ومبرأ، فقضية علمنة المناهج كانت ضمن مخططات الاستعمار الغربي إبان سقوط دولة الخلافة العثمانية ودخول الاحتلال الفرنسي والإنجليزي لبلدان الشمال الأفريقي كالمغرب والجزائر وتونس مرورا بمصر، ومن بعده الاستعمار الأمريكي العسكري والثقافي، وهذا بالضبط ما وعاه مدير التعليم في المغرب خلال الفترة الاستعمارية (جورج هاردي) الذي يقول: "إن انتصار السلاح لا يعني النصر الكامل؛ إن القوة تبني الإمبراطوريات؛ ولكنها ليست هي التي تضمن لها الاستمرار والدوام. إن الرؤوس تنحني أمام المدافع؛ في حين تظل القلوب تغذي نار الحقد والرغبة في الانتقام. يجب إخضاع النفوس بعد أن تم إخضاع الأبدان. وإذا كانت هذه المهمة أقل صخبا من الأولى؛ فإنها صعبة مثلها؛ وهي تتطلب في الغالب وقتا أطول".

ومن وقتها، بدأت الحملات العلمانية المتعاقبة على بلاد الإسلام، واتخذت من التعليم سلاحا ثقافيا يهدم حصون الأمة من الداخل، وبدأت دعوات الاستشراق والتبشير والتغريب تطغى على المناهج التعليمية، وبدأ معها التسويق لعقيدة فصل الدين عن الحياة بربطها بكلمة العلم في تقديم هذا العقيدة المناقضة للإسلام. فكان من التضليل الشديد أن تُقَدم كلمة "العلمانية" المشتقة من مفردة العلم في اللغة العربية كترجمة لكلمة السيكوراليزم (Secularism) في اللغة الإنجليزية والتي لا ترتبط بلفظ العلم في قواميسهم، بل هي فكرة شمولية عن الإنسان والكون والحياة عند الغرب.

وعمد الاحتلال الأوروبي آنذاك إلى تنصيب مدراء تعليم أجانب فرنسيين وإنجليز على المدارس المصرية والجزائرية والمغربية ليُشرفوا على عملية التعليم مباشرة، وتجهيز كفاءات محلية ضمن البعثات الخارجية واعتُبروا فيما بعد بروّاد الإصلاح التربوي، كإصلاحات محمد علي باشا في مصر والبعثات العلمية التي أوفدها حيث بلغ عدد الطلاب الذين أرسلهم إلى أوروبا في زمنه 319 طالبا (نموذجهم رفاعة الطهطاوي صاحب كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" الذي ألفه بعد عودته من فرنسا وامتدح فيه الحياة الفرنسية بكل مفرداتها من طريقة التفكير والتعليم والتعامل بين الأفراد. ولا أدقّ مما صوره اللورد كرومر عن الاختراق الفكري لمثل هذه البعثات حينما قال "إن الشبان الذين يتلقون علومهم في إنجلترا وأوروبا يفقدون صلتهم الثقافية والروحية بوطنهم، ولا يستطيعون الانتماء في نفس الوقت إلى البلد الذي منحهم ثقافته فيتأرجحون في الوسط ممزقين".

وسار محمد علي باشا وعائلته في احتواء التعليم المدني وتهميش التعليم الأزهري واستبعاده، ليكون هدفه الأساسي من خلال هذه السياسة هو جعل مصر قطعة من أوروبا كما كان يقول ولده إسماعيل، وقد أيقن أن التغيير لن يكون إلا بتغريب التعليم.

وانتقلت عدوى تغيير المناهج في بلدان إسلامية كثيرة، منها تونس، على يد طليعة المثقفين الذين تعلموا في الجامعات الفرنسية، وتشبعوا بثقافة الغرب العلمانية، وعلى رأسهم "بورقيبة" رئيس تونس بعد الاستقلال الوهمي، الذي اعتُبر ابن فرنسا المدلّل والمتأثر بوجه خاص بمصطفى كمال هادم الخلافة العثمانية. ومنذ تولّيه الحكم، عمد بورقيبة إلى علمنة المناهج التعليمية تحت عنوانه الكبير "تحديث التعليم" والاستغناء عن مؤسسة الجامعة الزيتونية باعتبارها "مؤسسة تقليدية لا تعطي إلا تعليماً تقليدياً يتركز أساساً على الدين"، كما عبّر هو، وتحويل الجامعة الدينية الزيتونية العميقة الجذور في تاريخ المجتمع الإسلامي إلى مجرد كلية للشريعة وأصول الدين من الطراز الحديث خاضعة في مناهجها وبرامجها وبيداغوجيتها لخط سلطة الدولة التحديثي، بهدف إقصائها عن المشاركة السياسية والثقافية، باعتبار أن النخبة التقليدية المثقفة ذات التنشئة الزيتونية (دينية) تفصلها هوة تاريخية عميقة عن الثورة العلمية، ولم تكن إصلاحاته موجّهة لإنتاج العقول المبدعة والمهارات الصناعية وإنما كانت عبارة عن محاولة لتصفية الحساب مع الثقافة الإسلامية والعربية التي لطالما احتقرها بورقيبة ورأى فيها سبباً من أسباب التخلف.

أما في المغرب والجزائر فقد عمد المستعمر الفرنسي إلى ضرب اللغة العربية ومحاربتها واعتماد اللغة الفرنسية منذ الصفوف الابتدائية، وقد استطاعت السياسة الفرنسية الحاقدة أن تكوّن فئة من المثقفين انفصلت عن شعبها، وتنكرت لأمتها، واندمجت في الحضارة الأوروبية، وتجنّست بالجنسية الفرنسية، ودافعت عنها دفاعا مستميتا، وبخاصة منذ مطلع القرن العشرين وطالما أن بأيديهم مفاتيح التغيير فقد أرادوا أن يكون التغيير عميقا وجذريا، بحيث يترك آثاره التدميرية في الأجيال اللاحقة، فكان العمل على تغريب التعليم هو المنطلق والغاية.

وقد أشرفت الكنيسة على قطاع التعليم بشكل كبير في مناطق الحوض المتوسط حيث أصدر والي فرنسا آنذاك الأميرال كيدون سنة 1871م أوامره إلى الآباء البيض (وهم أعضاء منظمة تبشيرية فرنسية) قائلاً: "إنكم إذا سعيتم إلى استمالة الأهالي بواسطة التعليم وبما تسدون إليهم من إحسان تكونون بعملكم هذا قد قدمتم خدمة جليلة لفرنسا؛ واصلوا عملكم بحنكة ودراية وحيطة، ولكم مني التأييد، وفي إمكانكم أن تعتمدوا علينا كل الاعتماد".

وكان العمل في لبنان وسوريا على علمنة المناهج مُركّزا وقويا، إذ عمد المستشرقون العرب على التأثير على سياسة التعليم خصوصا أنهم يُجيدون اللغة العربية، فشوهوا التاريخ الإسلامي المشرق وحوّلوه إلى امبراطورية غاشمة، كما اهتموا بمادة اللغة العربية وأوغلوا في ترجمة القصائد والروايات والنصوص الفرنسية والتي تستعرض قيما غربية عن السعادة والإنسان والحياة.
وزادت وطأة الحرب على المناهج التعليمية مع دخول أمريكا لبلاد الإسلام، فقد توالت الحملات والمؤتمرات والندوات التي تهتم بشأن علمنة المناهج في العالم الإسلامي خاصة في منطقتي الشرق الأوسط والخليج العربي، ضمن محاربة (الإرهاب) ومحو الصورة السلبية عن أمريكا وكيان يهود، والعالم الغربي عموما، وكانت التصريحات واضحة في اتفاقية كامب ديفيد، واتفاقية

أوسلو ومعاهدة مدريد؛ ففي عام 1979م جاء في دستور منظمة "الإسلام والغرب" التي يرعاها "اليونسكو" ويرأسها اللورد كارادون: "إن مؤلفي الكتب المدرسية لا ينبغي لهم أن يصدروا أحكاماً على القيم سواء صراحة أو ضمناً، كما لا يصح أن يقدموا الدين على أنه معيار أو هدف".

كما توالت التقارير التي تُعدها مجموعة الخبراء السياسيين الأمريكيين كمجموعة 19 أو مؤسسة راند أو مؤسسة الأيباك، والتي تقدّم مجموعة من الدراسات والتوصيات يتم رفعها إلى جهاز الأمن القومي الأمريكي ومنها إلى الرئيس مباشرة، وجاء في بعض الدراسات: "إن أهداف الحملة الأمريكية على (الإرهاب) يمكنها السيطرة على الأجيال القادمة لمدة عشر سنوات وهو ما يعتبر مسكِّناً وقتياً، لكن تغيير مناهج التعليم من المرحلة الابتدائية هي التي تضمن وجود أجيال غير إرهابية".

وهكذا فإن مشروع "علمنة المناهج لم يكن مستحدثا، ولم يكن التركيز على العلم بقدر التركيز على العلمنة وهذا ما جعل الكثير من البلدان العربية تحتل مراتب متدنيّة عالميّا حسب تقرير الخارجية الأمريكية حول التعليم في العالم العربي، فليست الغاية من كل هذا التركيز على المناهج إحداث ثورة علمية في بلاد الإسلام بل لنشر الجهل والتخلف والقطع مع الإسلام.
ونستعرض ختاما أهم الإملاءات الأخيرة بخصوص علمنة المناهج في العالم العربي:

1- أن تخلو المناهج من معاداة الغرب والتحريض على الجهاد ضد حلفاء أمريكا ويهود والغرب عامة.

2- أن تجنح المناهج للسلم والتسامح.

3- الدوران في فلك ثقافة الغرب.

4- محو الثقافة الإسلامية والشخصية الإسلامية.

5- التطبيع مع كيان يهود من خلال المناهج وعدم التحريض على قتالهم.

6- إن المناهج تعتمد على حفظ المعلومات وترديدها دون إبداع وابتكار.

7- والسبب الأهم هو أن التعليم الديني الشرعي هو العدو الأول للسياسة الأمريكية والغربية.

لكن وبرغم كل هذه الجهود الدولية، والمؤامرات العالمية المفروضة على سياسة التعليم في العالم الإسلامي، والتي امتدت لقرن كامل من الزمان، لم تقدر السياسة الأمريكية والفرنسية والإنجليزية على إنجاح مُخططاتها الاستعمارية بالكامل ولا على احتواء كل الأجيال وصبغهم بالثقافة الغربية، لأن ما نراه اليوم من توجهات للأمة الإسلامية نحو استئناف الحياة الإسلامة بإقامة الخلافة على منهاج النبوة، يعكس قوة هذه العقيدة الربانية في عقول الناس وقلوبهم، وإن التغيير النهضوي الذي تُريده الأمة يقوم أساسا على تغيير موازين الحكم في العالم، واستعادة سلطان الإسلام، وأن المسلمين يُدركون جيدا حجم الشر الذي يُراد بهم، لذلك فهم ماضون إلى تحقيق ثورة فكرية مبدئية تنتج من ورائها ثورة علمية صناعية، ولا يُعَوّلون على هذه المناهج المٌقررة لأنها صنيعة الغرب أولا وأخيرا الذي لا يرغب لهم خيرا ولا فلاحا، أما الإسلام فهو باق فيهم؛ لأن كتاب الله بين أيديهم وما إن تمسّكوا به فلن يضلوا بعده أبدا.


كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نسرين بوظافري
-  http://
www.hizb-ut-tahrir.info/ar/index.php/sporadic-sections/articles/cultural/42210.html#sthash.Nzudfhi0.dpuf
 
 
الثلاثاء, 14 شباط/فبراير 2017 10:33
انتباه، فتح في نافذة جديدة. PDFطباعةأرسل إلى صديق

العقدة الكبرى والعقد الصغرى

 

الحلقة الثالثة عشرة

 

 

 ثالثاً: عقدة البعدية أو البعدينية

 

هذه العقدة مرتبطة بالسؤال الثالث من أسئلة العقدة الكبرى عند الإنسان: إلى أين؟ والتي يكون جوابها عن مصيره بعد الموت، وأنه عائد إلى الله تعالى ليسأله ويحاسبه عن أعماله في الدنيا، فعند الإنسان تعلق وارتباط وثيق بما بعد الحياة الدنيا، ارتباط بين دوافع السلوك لديه وبين الغاية، والغاية لا تنفصل عن الغاية الكبرى والبعيدة، بل إن الغاية القريبة إن لم ترتبط بالغاية البعيدة أي بما بعد الحياة الدنيا تصبح لا معنى لها ولا طعم، لأنه في كل مرة يحقق فيها الإنسان شيئاً، وينجز أمراً، ويشبع دافعاً، يثور لديه السؤال: وماذا بعد؟ أو بالعامية: وبعدين؟ فيفقد طعم الفوز والنجاح، ويفقد طعم الإشباع ويفقد طعم الحياة، ويقع بين براثن اليأس، لأنه ليس هذا الذي يريده، لإن مجرد الإشباع، ومجرد الإنجاز، ومجرد النجاح، ومجرد الفوز، ومجرد التحقيق لأي شيء لا يعني إلا الإشباع، ولا يعني إلا الإنجاز، ولا يعني إلا النجاح، ولا يعني إلا الفوز، ولا يعني إلا التحقيق للشيء، وينتهي طعمه والإحساس به حين انتهاء تأثيره، وانتقال الإنسان من حالة تأثير التحقيق لأي شيء مما سبق، إلى غيره، فإنه ينسى ذلك الطعم، ويفقده.

 

ولكن ما السبيل إلى المحافظة على طعم الإشباع والإنجاز والنجاح والفوز والتحقيق لما يريد؟

 

السبيل الوحيد هو في إجابة السؤال الثالث من أسئلة العقدة الكبرى: إلى أين؟ إجابةً عقلية صحيحة مقنعة.

 

والإجابة الصحيحة هي في الركن الخامس من أركان الإيمان، الإيمان باليوم الآخر، والعمل بمقتضى هذا الإيمان، فإن وجد هذا الإيمان، فهنا يصلح الإنذار: (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)، فمن يخفْ أن يحشرَ إلى ربه يوم القيامة يتخذ الله تعالى ولياً له، ويجعله شفيعاً له، يرج رحمته ويخش عذابه، فيمتثل أمره، ويُرجَ منه أن يكون تقياً، كما دل على ذلك آخر الآية المفيدة للترجي المتحقق: (لعلهم يتقون) أي أن التقوى هي ثمرة من ثمار الخوف من الحشر في اليوم الآخر، والتقوى امتثال أمرِ الله تعالى في الحياة الدنيا، واجتناب ما نهى عنه.

 

وأورد الله سبحانه وتعالى أمثالاً من الأمم السابقة وكيف عُذِّبَ المكذبون منهم في الدنيا، وذكره ليكون آيةً وعبرة لمن يخاف عذاب الآخرة، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ  ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ)، فمن يخاف عذاب الآخرة أولى وأجدرُ بالاعتبار وأخذ العظة من الأمم السابقة وما حاق بهم من عذاب أليم في الدنيا، وما ينتظرهم من عذاب شديد في الآخرة، فلا يقع في ما وقعوا فيه من المعصية للرسل والتكذيب لهم.

 

بهذا يهدأ سؤال: وماذا بعد؟ أي تحلُّ عقدة البعدية، فلا يتحوّلُ رضاه بعد تحقيق شيء إلى قلق واضطراب تثيرها تساؤلات: ماذا بعد؟ ولكن، كيف هذا؟

 

إن الإيمان باليوم الآخر وما فيه من أهوال وحشر وحساب، ثم الثواب والعقاب، يجعل الإنسان يجيب عن سؤال: لماذا؟ ليدرك أن هناك أوامرَ عليه التزامُها والقيامُ بها، وأن هناك نواهيَ عليه اجتنابها والابتعاد عنها، فإن فعل والتزم الأمر واجتنب النهي، استمر رضاه، ودامت طمأنينته، والسبب هو أنه قد ادّخر عملاً صالحاً يرتجي ثوابه يوم القيامة، ويكون قد أرضى ربه وخالقه، فيزداد طمأنينة ورضا، ويستمرّ رضاه ما دام يعمل عملاً صالحاً، وتمتد طمأنينته ما دام يجتنب ما نهى الله عنه. اسمع قول الله تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ  فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) من يسلمْ وجهَه لله وهو محسنٌ فإن له الأجر في الآخرة، وكذلك لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون لا في الدنيا والآخرة، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ  وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ  وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)، ومثلها عشرات الآيات التي تعد بالأجر عند الله تعالى لمن آمن وعمل صالحاً، وأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

 

 

كتبها لإذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير

أبو محمد – خليفة محمد - الأردن

- See more at: http://www.hizb-ut-tahrir.info/ar/index.php/women-s-section/articles/42071.html#sthash.AKwWsPns.dpuf

 
الثلاثاء, 14 شباط/فبراير 2017 10:16
انتباه، فتح في نافذة جديدة. PDFطباعةأرسل إلى صديق

العقدة الكبرى والعقد الصغرى الحلقة الثامنة عشرة  

    سادساً: عقدة الموت:

  يشكل الموت للإنسان تحدياً كبيراً وصارخاً، على اختلاف معتقداته ومفاهيمه عن الحياة، فكل إنسان يدرك أنه سيموت لا محالة.  

والموت في المنظور الضيق عند كثير من الناس هو نهاية الحياة الدنيا، وانقطاع أمله، وتوقف وجوده، ومحدودية استمتاعه ونيله من شهوات الدنيا.   ولكنه في المنظور الحقيقي بداية للحياة الحقيقية للإنسان، هذا ما يقتضيه حل العقدة الكبرى، الحلَّ الصحيح، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)، فهو لم يخلق عبثاً، بل إنه خلق لأمر، وسيرجع إلى الله تعالى بعد الموت ليسأله عما فعل في الأمر الذي خلقه لأجله.  

إنه العبادة، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أجابت هذه الآية عن السؤال الأول من أسئلة العقدة الكبرى: من أين؟ والجواب: الذي خلقكم، وأجابت عن السؤال الثاني: لماذا؟ والجواب: اعبدوا ربكم، وبيّن لنا كيفية عبادته برسالة رسوله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم الذي هو معجزة رسوله: (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ). فإن عجزتم عن الإتيان بمثله فأيقنوا أنه من عند الله، وهو معجزة لمن أتى به، وهو محمد صلى الله عليه وسلم.

وبعد هذه الآية بآيات يقول الحق جلّ وعلا: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، فهو الذي خلقنا بعد أن لم نكن، ثم يميتنا، ثم يحيينا، ثم نرجع إليه سبحانه، وهو سائلنا عما خلقنا لأجله، وما أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم به.  

وبعدها بآيات يقول سبحانه: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)، فهذا بيان لحقيقة الإنسان في الأرض، مستخلفٌ فيها، وقد سخرت له، لينتفع منها، ويسير في كل ذلك بحسب نظام الله تعالى.   وهناك في الجنة، حيث خلق آدمُ عليه السلام وزوجه، بدأ التكليف الإلهي، بدأ بالأمر والنهي، (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ) أمرٌ بالسكن في الجنة له ولزوجه، وأمر بالأكل الرغد مما يريدان منها، والنهي عن أكل شجرة معينة، وهنا بدأ التكليف، فإن في مخالفة هذا النهي الظلمَ، يظلمون أنفسهم بمخالفة أمر الله تعالى ونهيه.

وهكذا تستمر آيات سورة البقرة ثاني سورة في القرآن الكريم، وأكبر سورة، وأول سورة كبيرة، تستمر في الإجابة عن أسئلة العقدة الكبرى إجابات عقليةً مقنعةً.   فالموت ليس نهاية للحياة، وإنما هو فاصل بين حياة زائلة، وحياة دائمة خالدة، ولكن الإنسان مفطورٌ على حبّ الحياة وكراهية الموت، بدافع من غريزة البقاء، التي تدفعه بمظاهرها المختلفة المتعددة لأن يحافظ على بقائه في الدنيا، وأن يرتقي بهذا البقاء لأحسن الدرجات والمراتب، ويمتلك أقصى ما يستطيع من متاع هذه الحياة الدنيا، وبهذه الغريزة وبمظاهرها هذه وغيرها من المظاهر الكثيرة تسير الحياة ويستمر استخلاف الإنسان في الأرض، ويستمر إعمار الأرض، ولكن إعمار الأرض يكون باستمرار الجنس البشري، وهذا يعني الموت للسابق، وانتهاء فترة اختباره وامتحانه، ليمر بالحد الفاصل بين الحياتين، حياته الأولى الزائلة، وحياته الثانية الباقية.  

فالأصل في الموت أن يكون دافعاً قوياً للإنسان لأن يعمل أكبر قدر ممكن من العمل الصالح قبل أن يأتيه الموت، ولا يكون مثبطاً له، ولا يكون سبباً لعقدة من العقد عنده، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي عن شداد بن أوس: (الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نفسَهُ وعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، والعاجزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنَّى على اللهِ) فالعاقل الأريب اللبيب هو الذي يعرفُ أنه مدينٌ، مدينٌ للخالق سبحانه وتعالى بكل شيء، خلقه ورزقه وهداه وأنعم عليه بالزوج والبنين والحفدة، عاجزٌ عن تحقيق شيء من النفع لنفسه إلا بإذن الله، وعاجز عن دفع الضر عن نفسه إلا بإذن الله. أفلا يجب عليه أن يعبد من أعطاه كل هذا؟ ويحمدَه ويشكره؟       كتبها لإذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير أبو محمد – خليفة محمد - الأردن - See more at: http://www.hizb-ut-tahrir.info/ar/index.php/women-s-section/articles/42144.html#sthash.QMGZfHeO.dpuf

 

باقي الصفحات...

اليوم

الخميس, 27 حزيران/يونيو 2019  
24. شوال 1440

الشعر والشعراء

يا من تعتبرون أنفسكم معتدلين..

  نقاشنا تسمونه جدالا أدلتنا تسمونها فلسفة انتقادنا تسمونه سفاهة نصحنا تسمونه حقدا فسادكم تسمونه تدرجا بنككم...

التتمة...

النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ الحـياءُ بــهمْ

نفائس الثمرات النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ الحـياءُ بــهمْ والسـعدُ لا شــكَّ تاراتٌ وهـبَّاتُ النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ...

التتمة...

إعلام ُ عارٍ

إعلام عار ٍ يحاكي وصمة العار      عار ٍ عن الصدق في نقل ٍ وإخبارِ ماسون يدعمه مالا وتوجيها         ...

التتمة...

إقرأ المزيد: الشعر

ثروات الأمة الإسلامية

روائع الإدارة في الحضارة الإسلامية

محمد شعبان أيوب إن من أكثر ما يدلُّ على رُقِيِّ الأُمَّة وتحضُّرِهَا تلك النظم والمؤسسات التي يتعايش بنوها من خلالها، فتَحْكُمهم وتنظِّم أمورهم ومعايشهم؛...

التتمة...

قرطبة مثلا

مقطع يوضح مدى التطور الذي وصلت اليه الدولة الاسلامية، حيث يشرح الدكتور راغب السرجاني كيف كان التقدم والازدهار في  قرطبة.

التتمة...

إقرأ المزيد: ثروات الأمة الإسلامية

إضاءات

JoomlaWatch Stats 1.2.9 by Matej Koval